من (الكونت دوبو لانفيلييه) إلى (كارين ارمسترونج) أربعة قرون من مقاومة وفهم الاسلاموفوبيا..؟

2015.02.03 - 3:35 - أخر تحديث : الثلاثاء 3 فبراير 2015 - 3:57 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
من (الكونت دوبو لانفيلييه) إلى (كارين ارمسترونج) أربعة قرون من مقاومة وفهم الاسلاموفوبيا..؟

هل يستطيع الإنسان الذي يحمل اسما من الأسماء أو الكنى أو الألقاب التي يختص بها المسلمون عادة أن يجهل أو يتجاهل ما يجري اليوم في كثير من البلاد الأوربية؟ وكيف له ذلك وهو يصبح ويمسي على تصريحات وكتابات ورسومات وندوات يغلب في أكثرها نبرة العداء للإسلام والمسلمين، إن ظاهرة التهجم والسب والتخويف من الإسلام ومن معتنقيه أصبحت اليوم وهي تكاد أن تكون عامة، حتى من لم يُخَوِّفْ يوحي بالخوف وهو يقول إن هناك مسلمين يمكن الا تخاف منهم، إذ الاعتقاد السائد هو أن من لا يخيف هو الاستثناء، والقاعدة أن كل المسلمين يحملون تحت معاطفهم قنابل للتفجير ورشاشات للهجوم وهكذا أصبح كل المسلمين متهمين وفي حاجة إلى إثبات براءتهم.

      مما لا يحتاج إلى كبير عناء لإثباته هو أن الصراع بين الغرب النصراني والشرق الإسلامي قديم وعرف حروبا وصراعا تاريخيا، وقد خلف هذا الصراع أثره في نفوس أبناء الطرفين لاسيما أن الغرب الاستعماري في العصر الحديث وضع المعركة منذ البداية في إطار الصراع بين الصليب والهلال أي بين الإسلام والنصرانية، وسعى طيلة عقود الفترة الاستعمارية لتأكيد ذلك ونحن لا تحوجنا الأدلة في بلدنا المغرب وبصفة خاصة في أيام وأسابيع هذا الشهر يناير وفي أيامه الأخيرة حيث كان التنكيل الاستعماري على أشده وفي اللحظة التي أحرر فيها هذه السطور تتجه قوافل من الوطنيين والمواطنين إلى مقابر الشهداء في مختلف المدن المغربية للترحم على الشهداء الذين سقطوا ما بين 11 يناير وواحد وثلاثين منه عام 1944 برصاص الاستعمار الفرنسي الصليبي حسب تعبير وزير الخارجية الفرنسي الذي صرح بعد نفي محمد الخامس أن الصليب انتصر على الهلال..

      وقد جدد هذا الصراع أكثر في السنوات الأخيرة أو العقود الأخيرة وبعد مقولة (صراع الحضارات)، واحتلت دول إسلامية من طرف دول عربية ودمرت، وبعضها لا يزال يدمر وغيره في انتظار ما تحمله الأيام نتيجة هذا الصراع الذي فتحه الغرب على الإسلام، ولا يشوش على الإنسان ما يقال وينسب لهذه الجماعة أو تلك فالتنظير للعنف وإعادة الاحتلال أمر مخطط ومدروس وقد سبق لنا في هذا الركن إن أوردنا أكثر من شهادة وأخرها شهادة ومخطط “برنار لويس” البريطاني الانجليزي.

إن هذه الروح العدائية والتي تجد تغطيتها من تصرفات بعض المسلمين والمعبر عنها (بالإسلامو فوبيا) هي التي سنحاول أن ننظر إليها من زاوية كشفها وفهم جذورها من خلال ما كتبه بعض الغربيين أنفسهم وإذا كانت الإساءة لنبي الإسلام والإنسانية الحقة من خلال كتابات ورسوم والإصرار عليها من لدن البعض هي التي فجرت الأزمة الحالية فإن حديث الجمعة سيستحضر اليوم ما كتبه أحد الباحثين الغربيين منذ قرون وهو يؤرخ لحياة الرسول محمد عليه السلام وتاريخ العرب ويرد على التخويف من الإسلام في القرن السابع عشر وهو ما قامت به كذلك كاتبة وراهبة سابقة وهي تتناول سيرة محمد عليه السلام التي تقول في مقدمة كتابها “محمد” السيرة النبوية وهي تفضح انغلاق الغربيين:

«لكنه يبدو، مع ذلك، أن أحد الأديان الكبرى لا يزال خارج دائرة النوايا الطيبة المذكورة، وأنه ما يزال يحتفظ بصورته السلبية في الغرب على الأقل، فالذين شرعوا في استلهام أديان مثل دين “الزن” أو “التأوية” ينذر أن ينظروا نفس النظرة المتعاطفة إلى الإسلام، مع أنه الدين الثالث لإبراهيم الخليل، وأقرب في روحه إلى تراثنا اليهودي المسيحي، فلدينا في الغرب تاريخ طويل من العداء للإسلام، ويبدو أنه راسخ الجذور  مثل عدائنا للسامية، وهو العداء الذي شهد صحوة تدعو للقلق في أوربا على مدى السنوات الأخيرة. ورغم ذلك كله، فلقد بدأ الكثيرون يشعرون، على الأقل، بالخوف من هذا التعصب القديم منذ وقوع المحرقة النازية. ولكن الكراهية القديمة للإسلام تواصل ازدهارها على جانبي المحيط الأطلسي، ولم يعد يمنع الناس أي وازع عن مهاجمة ذلك الدين، حتى ولو كانوا لا يعرفون عنه إلا أقل القليل.

ولهذا العداء أسبابه المفهومة، لأنه لم يحدث قبل ظهور الاتحاد السوفييتي في القرن الحالي أن واجه الغرب تحديا مستمرا من دولة أو من منهج فكري يوازي التحدي الذي واجهه من الإسلام. فعندما نشأت الإمبراطورية الإسلامية في القرن السابع للميلاد، كانت أوربا ما تزال منطقة متخلفة».

ولعل فرصة تواتي للحديث عن كتاب (كارين ارمسترونج) قريبا أما اليوم فإن الحديث سيكون حول كتاب تاريخ العرب وحياة محمد تأليف الكونت دوبولا نفيلييه تحقيق وترجمة وتعليق الأستاذ الدكتور مصطفى التواتي.

***********

ركوب الأسنة

       قديما قال الشاعر العربي في شأن أدوات الحرب ما يعبر عن التأفف عن الدخول فيها ما دام هناك مخرج من هذه الحرب فقال:

              إذا لم يكن الا الأسنة مركبا            فما على المضطر الا ركوبها

        وذلك لأن فلسفة الحرب وما يدعو إلى الدخول فيها لم يكن مرحبا بهما عند الإنسان العربي باستمرار بل هو رغم ما يدعى وما يوجد في التراث العربي من معاني الدفاع عن النفس وحتى ما يثبته التاريخ من الحروب فقد كانوا دائما يتأففون منها، إلا أن الخوف من الاتهام بالجبن وعدم الشجاعة جعلت بعض أدباء وشعراء العربية يشيدون بالشجاعة وبالقدرة على مغالبة الخصم ومواجهته.

تهذيب

        وجاء الإسلام وهذب كثيرا من أخلاق الأعراب الذين كانوا يمثلون الجانب الذي ينبري لهذه الدعوة القتالية ونهى عن الاعتداء على الناس واقتصر على الاعتداء فمن اعتدى عليكم فاعتادوا عليه بمثل ما اعتدى عليهم» أي الرد بالمثل، وهو أمر لا تزال الشرائع والقوانين المعمول بها تقر هذا المبدأ مبدأ الدفاع عن النفس بل إن الدول التي ندبت نفسها بفضل القوات وأساليب التدمير التي تملكهما لا تزال تبرر ما تقوم به دولة الصهيونية والعدوان بهذا المبدأ حق الدفاع عن النفس بل إنها لا تبرر فقط بل هي تسقط كل موقف منصف تحاول دول العالم اتخاذه تجاه البربرية الصهيونية في المنظمات الدولية لأن قتل الآلاف وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها وتطاير أشلاء القتلى من الرجال والنساء والشيوخ والعجزة والأطفال وكل ما طالبت الشرائع الإلهية والقوانين البشرية باحترامه أثناء الحروب لأن ذلك في نظرها إنما هو من قبل الدفاع عن النفس..

دعم الكراهية

       ومع كل هذا فإنه يعاب على المسلمين أن يردوا بالمثل تطبيقا لمبدأ رد العدوان والدفاع عن النفس، وهكذا برر الإرهاب الذي تمارسه هذه الدول على المستوى الفكري على الأقل بإشهار سيف عدم التسامح والكراهية في وجه كل من يسعى من المسلمين للدفاع عن النفس والنفس هنا لا تعني الجسد وإنما تعنيه وتعني أكثر ما به قوام الحياة الإنسانية إذ ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان فالمؤمن يعتبر العقيدة التي يؤمن بها أهم من حياته إما إذا كان الأمر يتعلق بالعقيدة الدينية ويرمزها فالأمر أعظم وأشد.

التحدي

       ولاشك أن العدوان الذي تقوم به بعض وسائل الإعلام كانت سمعية أو بصرية مقروءة أو مشاهدة ضد الإسلام ورمزه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما يمثله بالنسبة للأديان السماوية يشكل تحديا لكل مسلم للرد عليه وإيقاف روح الكراهية والدعوة إلى الإبادة المعنوية بل الجسدية التي تنطلق اليوم من أكثر من جهة في الغرب، وقد تجاهل هؤلاء المعتدون ان الاعتراف بأهل الكتاب وأنبيائهم ورسلهم وتقدير ما يلزم لهم من الاحترام إنما تم بفضل هذه التعاليم التي حملها محمد عليه السلام وبشر بها بين الناس.

تقويض الأمل

        إن استمرار أسلوب تأجيج الأوضاع ضد الإسلام والمسلمين في أكثر من دولة غربية لا يخدم الا المزيد من ردود الفعل التي تقوض الأمل في السلم والتعايش والتساكن بين أرباب الديانات والإسلام منذ البداية أكد دعوته لأهل الكتاب وهي لا تزال مستمرة إلى الآن «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله». هذه الدعوة التي تدعوا إلى كلمة سواء هي التي يحاول من ينشر أسباب الصراع والكراهية لتفويض معانيها السامية ودعوتها لأهل الخير للتعاون عليه.

ترسبات فكرية

        إن أخبار التخويف من الإسلام والمسلمين تأخذ أكثر من مظهر وهناك من يدفع في اتجاه الصراع بين المسلمين وبين غيرهم لغاية لا تخفى على الناس، ولكن مع ذلك فإن التجاوب مع التخويف من لدن الكثير من الناس يدل على أن هناك ترسبات فكرية وتاريخية تخدم أصحاب التخويف والصراع وعندما نقول أسباب تاريخية وعقدية فإن الأمر ليس افتراضا أو ادعاء ولكنه تدل عليه شواهد التاريخ وسجلات مكتوبة ومدونة في كثير من المصادر والمراجع والمواقف، وبجانب دعاة الحرب والتطاحن هناك عقلاء تصدوا للتيار في زمانهم وإن كانوا قلة مما جعل أعمالهم ومواقفهم لا تظهر بفضل ما مورس عليها من طمس وتعمية تجاه ركام القذف والشتم وما عدا ذلك بين الفينة والفينة يظهر عمل من تلك الأعمال طبقا لما عبر عنه الشاعر العربي عندما قال:

             وإذا أراد الله نشر فضيلة         طويت أتاح لها لسان حسود

صوت التاريخ

       فمن خلال هذه الحرب الجديدة القديمة التي عبرت عن نفسها من خلال تصريحات الساسة وكتابة الكتاب والصحفيين وأصحاب أدوات التعبير المختلفة ينبعث صوت من قرون مضت مورس فيها ما يمارس الآن فظهر كتاب انبرى صاحبه في القرن السابع عشر للدفاع عن الحقيقة وإظهار ما حاول ركام من الكتابة المضللة والمزيفة للتاريخ والرامية إلى شحن الأذهان بالأحقاد والكراهية مثل ما يفعل الإعلام الغربي في الوقت الحاضر انه نداء التاريخ الحق.

رد في محله

       وفي سياق الدفاع عن الحق وقيم الإنسانية الرفيعة قام كاتب من الكتاب المرموقين في القرن السابع عشر بكتابة كتاب في الرد على ما قام ويقوم به الحاقدون والكارهون لمحمد عليه السلام والدين الإسلامي، والكتاب رغم ما حاول أحد أفراد الجوقة الحاقدين من تزييف بعض الأمور فيه فقد ندب (الدكتور مصطفى التواتي) جهده ونفسه وهو من المناضلين التقدميين في تونس وله نشاط نقابي في نقابة التعليم العالي في تونس لنشر هذا الكتاب وفي جميع الأحوال فهو لا يحسب على رجال الدعوة أو ما ينعتون (بالإسلاميين) ولكنه مثله مثل جميع المسلمين له غيرة على الحقيقة أولا وعلى رسول الإسلام والحضارة العربية الإسلامية.

       ثانيا: فقام بترجمة الكتاب ونشره وعندما قرأت الكتاب والظروف الآن تستدعي الكشف عن حقيقة الخلفية التاريخية والفكرية، وجدتني مندفعا للتعريف بالكتاب وبما جاء فيه. أما المؤلف الأصلي فقد كتب عنه عبد الرحمان بدوي الذي يذكر المترجم انه هو الذي دفعته رغبته إلى ترجمة الكتاب فهو كتب حياة المؤلف في موسوعته عن الاستشراق ومما جاء في هذه الترجمة ما يلي

       بولا نفلييه (1722 – 1658) HENRI DE BOULAINVILLIERS  

       مؤرخ فرنسي، كان أول أوروبي أنصف النبي محمدا بكتاب بعنوان: «حياة محمد»، لكنه لم يكن يعرف العربية، وإنما اعتمد على مراتشي Marraci  وبوكوك Pococke .

       ولد في S-Saire (بمحافظة السين الأسفل) في 21 أكتوبر 1958، وتوفي في 23 يناير سنة 1722، من أسرة نبيلة منها المحاربون والدبلوماسيون.

       خدم أولا في الجيش ضابطا بارزا، لكنه لما توفي أبوه تاركا تركة ثقيلة، ترك خدمة الجيش وعاش في سان سير S-Saire عيشة بسيطة، لكنه بقي على علاقات مع شخصيات هامة، أبرزها: سان سيمون ودوق نواي Le Duc de Nouailles.

       انكب على دراسة النظم القديمة في فرنسا وتاريخ الأسر الكبرى في فرنسا، ودعاه ذلك إلى تمجيد النظام الإقطاعي، فاعتقد أنه أكمل النظم السياسية، ونظرا للصراع بين الملوك وسادة الإقطاع في فرنسا طوال الملكية، فقد كان منحازا إلى سادة الإقطاع ضد الملوك.

       لكن ما يهمنا ها هنا هو أن نذكر كتابه بعنوان «حياة محمد» الذي طبع سنة 1730. ويتناول حياة النبي حتى الهجرة، وفيه أبدى إعجابا شديدا بالنبي محمد وبالإسلام ومبادئه، وعنوانه هو:

       La Vie de mahomed, par M. le Contre de Boulainvilliers. London , 1730 . VIII – 408 p

       ويوجد منه نسخة في المكتبة الوطنية بباريس تحت رقم bis 156 . O2g  ونظرا لقدمها وتهالكها فقد عمل منه ميكرو فيلم لاطلاع القراء.

       وأعيد طبعه طبعة ثانية في سنة 1731، في امستردام، عند الناشر P.Humbert  وتقع هذه الطبعة في قطع الثمن وفي 4-442 ص ولوحات ومنها نسخة في المكتبة الوطنية بباريس تحت رقم O2g A 156 bis وهي النسخة التي اطلعنا عليها في يوم 18/8/1988 .

حبذا لو

وحبذا لو قام أحد الدارسين بتقديم رسالة عن كتاب “حياة محمد” هذا، نظرا لأنه أول كتاب أوروبي تعاطف مع النبي محمد، وأعجب بمبادئ الإسلام.

وها نحن نترجم استهلال الكتاب الثاني من حياة محمد نموذجا لروح الكتاب:

“محمد هو ذلك الذي استعان به الله الخالق المطلق لكل ما يجري في الطبيعة:

أولا: من أجل القضاء على، وفضح المسيحيين الأردياء في الشرق، أولئك الذين أفسدوا الدين بمنازعاتهم وبغضهم بعضهم لبعض، تاركين ما هو جوهري في المسيحية ابتغاء التعلق بمسائل لا ينفذ فيها استطلاع بني الإنسان، أو الخوض في الخرافات.

وثانيا: من أجل تدمير مغانم الرومان واليونان، والإحاطة بمجدهم، وانتزاع هذه البلاد الجميلة منهم، بلاد سوريا ومصر، التي استندوا إليها في كبريائهم وغرورهم، واستغلوها في تحقيق أطماعهم وملذاتهم، ولكي ينتزع منهم أيضا تلك الأماكن المقدسة بمقام المسيح فيها، وبمواعظه، وبمعجزاته، تلك الأمور التي ساعدوا هم استخدامها لابتداع عبارات صبيانية، وللقضاء على روح الدين الحقيقية.

ثالثا: من أجل إخضاع الفرس، وتجريدهم من الأمجاد التي امتلكوها منذ العديد من القرون، ومن أجل عقاهم على ما ارتكبوا في الماضي من فظائع ضد ضحايا أطماعهم.

       وأخيرا: من أجل نشر توحيد الله من الهند حتى إسبانيا، والقضاء على كل عبادة أخرى غير عبادته. وإنها لإنجازات رائعة، لا تتفق مع الفكرة التي أعطونا عن محمد هو نفسه، فكرة أنه دجال كريه خبيث، فيه من نقائص الجسم بقدر ما يه من نقائص النفس، وأنه كانت تنتابه نوبات صرع -يقصد منها تضخيم بشاعة شخصه- استخدمها للمزيد من التمويه وخداع أقرب الشهود على سلوكه.

رد المؤلف على حملات التشويه ضد الإسلام والرسول

       ففي المقدمة التي كتبها المترجم أورد تحليلا لما جاء في الكتاب حول العرب وحضارتهم وهو تنويه بالعنصر العربي وبحضارته التي اعتبرها متميزة بقيم وأخلاق ومبادئ على غيرها من الحضارات لين… في تحليل ما جاء في الكتاب للحديث عن الإسلام وتعاليم يقول المترجم:

        أما الجزء الثاني فقد خصصه لإبداء رأيه في الإسلام وظروف ظهوره وأسباب انتشاره مبرزا الخصال التي تميز بها الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الأوائل، داحضا في هذا الباب أيضا مختلف التهم التي كانت تروج في عصره بين الجمهور المسيحي، ردا ذلك إلى سيطرة الأحكام المسبقة على الكتاب والجمهور من المسيحيين، وهي أحكام ناتجة في رأيه عن كراهية الآخر والخوف منه والجهل بحقيقته.

توجيه اللوم

       بعد هذا ينتقل المترجم للحديث في مقدمته إلى الحديث عن رد المؤلف عن الأحكام المسبقة التي ينطلق منها جمهور الكتاب والمسيحيين فيقول:

        وقد نبه إلى “أننا لا نكاد نتصور إلى أي حد يمكن للناس ألا يكونوا عادلين إذا انساقوا إلى الحقد والعاطفة اللذين يجعلانهم يدينون ما لا يتطابق مع أحكامهم المسبقة”. لذلك توجه المؤلف باللوم إلى الكتاب الغربيين الذين لم يحاولوا” الاستفادة جيدا من الأمثلة العظيمة التي يوفرها لنا التاريخ العربي (دون الحديث عن تلك اللمحات من البلاغة الحية والأخاذة التي تفوق ما عبرت عنه روما واليونان بالشكل الأشد أبهة) والتي تصور لنا ميزات من السخاء والرفعة، مما يندر أن يكون الغربيون قد قاربوه”.

نقد الجهل بالعربية

       وشدد المترجم في هذا اللوم على توجيه الكاتب سهام النقد للغربيين الذين حرموا أنفسهم من دراسة اللغة العربية وما تزخر به من تعبير جميل وأجدني هنا أساير ما عبر عنه المؤلف في شأن الكثير من المنسوبين على المثقفين العرب الذين هم بدورهم لم يكلفوا أنفسهم عناء دراسة اللغة العربية يقول:

        كما لامهم لعدم اهتمامهم بدراسة اللغة العربية وتثقيف الجمهور “عن طريق ترجمة بعض المخطوطات التي تضم منها مكتبة الملك كنزا، هو الأشد ثراء في العالم”. وحتى من حاول منهم ذلك مثل السيد بريدو ((Prideaux يلومه “لأنه لم ير ضرورة التميز عن الفكرة الشائعة” ولم يستطع التخلص من ضغط الأحكام المسبقة السائدة لدى الرأي العام، وهو ما ينطبق أيضا على غيره من الكتاب خاصة إذا كانوا من رجال الدين مثل الراهب أو كلاي Okley .

اختيار محمد

       والمؤلف يواجه قومه من أجل وضع حد لجهلهم بتاريخ الإسلام وتاريخ محمد وان ينهجوا نهجا علميا في أبحاثهم ودراساتهم يقول:

       «وحتى يقطع الكونت دو بولانفيلييه مع هذه العقلية السائدة، انبرى بكل شجاعة يرسم لهؤلاء الكتاب معالم المنهج العلمي الموضوعي الذي ينبغي التقيد به في دراسة ثقافة الآخر وفكره ودينه، ولم يتحرج من الإعلان عن اقتناعه بأن الله قد اختار محمدا:

       أولا: ليهلك ويذل المسيحيين الشرقيين السيئين، الذين يسيؤون إلى الدين بخصوماتهم وتنافرهم، متخلين عمل يوجد في المسيحية من مبادئ أساسية ليتشبثوا بمسائل مستعصية على الذهن البشري أو ليغرقوا في الخرافات.

       ثانيا: ليقلب كل انتصارات الرومان والإغريق ويقضي على مجدهم وينتزع منهم بلدانا مرغوبة مثل الشام ومصر (…) وكذلك ليسلب منهم الأماكن المقدسة حيث عاش المسيح وأعلن تنبؤاته وقام بمعجزاته التي استغلوها للتهييج باسم تقوى تافهة، قصد تخريب الروح الحقيقية للدين.

       ثالثا: لإخضاع الفرس وسلبهم من الأمجاد التي كانوا يملكونها منذ قرون عديدة ومعاقبتهم من أجل البؤس الذي تسببوا فيه سابقا لضحايا طموحهم.

       وأخيرا: لنشر الإيمان بوحدانية الله من الهند إلى اسبانيا، والقضاء على أي عقيدة أخرى”.

نقد الكنيسة

       ولم يتحرج المؤلف أيضا من تضمين هذا الكتاب نقدا لاذعا للعديد من الأطروحات والتقاليد الكنسية المسيحية واصفا إياها بالخرافات والسخافة والتعقيد ومخالفة المنطق السليم وأحكام الطبيعة، مقارنة مع ما تتضمنه التعاليم والطقوس الإسلامية من بساطة وانسجام مع الطبيعة البشرية و “نور العقل”، حسب تعبيره، وهو ما يجعلنا نميل إلى أنه كان يرمي أيضا، من خلال الحديث عن الإسلام، إلى المساهمة في حملة النقد الشديد التي كان يقوم بها آنذاك مفكرو الأنوار في أوروبا ضد الكنيسة لوقوفها حجر عثرة أمام حركة النهضة الأوروبية التنويرية.

الأنوار

       ولا يفوت المترجم في مقدمته الإشارة إلى المرحلة التي كتبها فيها المؤلف كتابه وهي مرحلة الأنوار ليشدد على ما تتصف به الكنيسة من التحجر وعدم التجاوب مع العقل والقوانين والنواميس الكونية مقارنا بين الكاتب وفولتير في رسائله الفارسية يقول المترجم:

التنويه بالعلانية الإسلامية  

        ولعله من خلال تنويهه بمنطقية الإسلام وتوافقه مع الطبيعة البشرية، إنما كان يهدف إلى ما هدف إليه فولتير مثلا في رسائله الفارسية، من دعوات إصلاحية، ويتضح ذلك خاصة في تفضيله للموقف الإسلامي على الموقف الكنسي المسيحي بخصوص إباحة اللذة الجسدية، إذ ينتقد “البطولة المسيحية في التعفف عن الملذات وحتى في تعذيب البدن بالسياط والصوم والحرمان والامتناع عن العلاقات الجنسية حتى المشروعة منها، ويرجع ذلك إلى كون المسيحيين لم يعودوا ينظرون إلى التوبة باعتبارها تغييرا في الذهن والقلب وإنما باعتبارها تكمن في العذاب وإيذاء أعضاء بدن خلق حساسا يطلب بالضرورة اللذة، مدفوعا بنفس السبب الذي يجعله يخاف الألم”. أما المسلمون “فإنهم لم يتصوروا بالمرة أن ابتلاء الطبيعة والحرمان المتواصل من اللذة يمثلان تقديرا من قبل المخلوق لخالقه الذي كان في مقدوره حرمانه من الإحساسات اللذيذة لو كان فعلا قد أدان استعمالها” حسب قوله». أو ما أشبه اليوم بالبارحة.

دوافع التأليف

       والمترجم يتحدث عن الدوافع التي دفعته إلى ترجمة الكتاب والسعي لاطلاع القارئ العربي على ما جاء فيه وذلك في شكل سؤال مشروع وهو:

من البديهي أن يتساءل القارئ لماذا الاهتمام بهذا الكتاب الآن بالذات، وقد مضى على تأليفه حوالي ثلاثة قرون؟

والحقيقة أن أول من لفت نظري إليه هو الدكتور عبد الرحمان بدوي من خلال ترجمته للكونت دو بولانفيلييه le comte de boulainvielliers ) ) في المعجم الذي خصصه لتراجم المستشرقين، وقد أنهى تلك الترجمة برجاء أن يرى أحد المثقفين العرب يقوم بترجمة هذا الكتاب ونشره إنصافا لهذا الرجل واعترافا له بالفضل.

وجاهة الرغبة

      والكاتب يعبر عن تقديره لرغبة عبد الرحمان بدوي لدفع أحد المثقفين العرب لترجمة الكتابة يقول المترجم:

وقد أثار في ذلك فضولا كبيرا وحماسة خاصة، فتوجهت خصيصا إلى باريس بحثا عن نسخة من هذا الكتاب في المكتبة الوطنية الفرنسية، حيث اطلعت فعلا على نسختين من الطبعتين الوحيدتين الصادرتين منه: الأولى في أمستردام سنة 1730م والثانية في لندن سنة 1732م.

أسباب التعتيم

وبعد تصفح هذا الكتاب أدركت مدى وجاهة الرغبة التي غبر عنها د.عبد الرحمان بدوي ليقوم أحد المثقفين العرب يقوم بترجمته، كما أدركت الأسباب التي جعلت الكتاب ومؤلفه يظلان مغمورين في الغرب طيلة هذه القرون رغم شهرة أعمال أخرى تافهة لا يتميز أصحبها إلا بالبراعة في شتم العرب والإسلام وتحريف حقائق التاريخ، وانتبهت أيضا إلى مدى التشابه بين الظروف التاريخية التي ألف فيها الكونت دو بولانفيلييه كتابه وبين الظروف القائمة اليوم، مما يجعل من المناسب جدا ترجمة هذا الكتاب وإعادة نشره في هذا الوقت بالذات.

الفوبيا هي هي

      والمترجم يتحدث عن الظروف التي عاش فيها المؤلف وكتب كتابه وهي ظروف نفسي الخوف من الإسلام، وهي ظروف مشابهة لظروف الإسلام والمسلمين اليوم وبعد..

لقد عاش دو بولانفيلييه في فترة ازدهرت فيها فوبيا الخطر الإسلامي المهدد للحضارة المسيحية الغربية، وهي فوبيا زرعت بذورها الأولى وتمت رعايتها وتأجيجها منذ انطلاق الحروب الصليبية واحتدام حروب الاسترجاع المنتصرة في شبه الجزيرة الإيبيرية من ناحية، والتغلغل السياسي والعسكري الظافر للعثمانيين في شرق ووسط أوروبا وسيطرة الأسطول العسكري العثماني والقراصنة المسلمين أو المجاهدين البحريين، كما كانوا يسمون آنذاك، على حركة الملاحة في المتوسط، من ناحية ثانية.

ولنا عودة للموضوع

بقلم: ذ. محمد السوسي