إنصاف الشراط: ” حينما يتحول البياض إلى سواد حالك”

2015.02.04 - 10:35 - أخر تحديث : الأربعاء 4 فبراير 2015 - 10:35 صباحًا
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
إنصاف الشراط: ” حينما يتحول البياض إلى سواد حالك”

تعيش بلادنا هذه الأيام مناخا صعبا وقاسيا، تصعب معه ممارسة الأنشطة الانسانية الاعتيادية، حيث تعيش فئة مهمة من الشعب المغربي هذه القسوة والمعاناة بأبشع أشكالها وصورها، إنها قسوة تختلف بكثير عن تلك التي يحس بها المواطن الساكن بالمدن الكبرى للمملكة…قسوة تجمع ما بين صعوبة التضاريس وانعدام البنية التحتية والفقر الحاد وموجة البرد الشديد التي تشهدها بلادنا.

إننا نتكلم عن فئة المواطنين والمواطنات سكان المناطق الجبلية، خصوصا بمرتفعات الأطلس التي تعرف هذه الايام تساقط نسب قياسية من الثلوج، الشيء الذي يزيد من تفاقم الأزمة التي تعيشها هذه الفئة، حيث يصبح التفكير في البحث عن الوسائل الدنيا للبقاء على قيد الحياة مثل الحطاب الذي يستخدم للحفاظ على درجة حرارة الجسم والأكل للحفاظ على دفئ البطن والفراش والغطاء للحفاظ على حرارة المرقد، دون الاهتمام بباقي الحاجيات التي تعتبر في مناطق أخرى أساسية لكن في هذه المناطق تصبح من الامور الكمالية.

إن المواطن المغربي الذي يسكن في المناطق الجبلية رغم كونه يعاني طيلة فصول السنة، إلا أن معاناته خلال هذه الفترة تعتبر استثنائية، لكونها تتعلق بقوته وبمسكنه وبالتالي بحياته، فليس هناك أصعب وأشد من أن يعيش الانسان وهو يرى أفراد أسرته مهددون بالموت، مهددون بفقدان أبسط الشروط للبقاء على قيد الحياة.

ولكون المرأة بهذه المناطق تعتبر الفاعل الأساسي في الحياة اليومية، فإنها تعتبر الضحية الأولى لهذه الظروف الاستثنائية المناخية والجغرافية بالإضافة كذلك للعوامل الثقافية التي كرست هيمنة الرجل على المرأة، بحيث تقوم النساء بالجبال بمعظم الأشغال الشاقة، فهي التي تبحث عن الحطاب وتنقله، وهي من تعد الطعام وتخيط الثياب…والأكثر من هذا وذاك فهي الأكثر تهديدا من الرجل في حياتها خصوصا إذا ما صادف موعد الولادة مثل هذه الظروف حيث الطرق مقطوعة (هذا إن وجدت) والاتصالات متوقفة.

ولا يمكن الحديث عن معاناة المرأة الجبلية في موسم الثلوج والشتاء والبرد، دون الحديث عن الدور الذي تقوم به المرأة الجدة والأم والأخت والزوجة…في توفير الحطب من أجل تدفئة صغار الأسرة وكبارها…فكثيرا ما استوقفتنا مشاهد وصور جد معبرة لنساء وفتيات وهن يحملن كومة حطاب لمسافات طويلة على ظهورهن عبر مسالك وعرة وصعبة، إنه نموذج لأقوى مظاهر التضحية التي تقدمها المرأة من أجل الحياة ومن أجل الوطن.

إننا نتكلم هنا عن نساء مناضلات على أرض الواقع، نساء في الغالب لا يعرفن الكتابة والقراءة، نساء لم يسبق لهن أن طالبن بحقوقهن في التعليم والتطبيب والعدالة الاجتماعية…إنهن نساء يناضلن من أجل الحفاظ على امال الأجيال القادمة في العيش الكريم، نساء تقمن بدور يصعب في أغلب الأحيان على الرجال القيام به.

إن مثل هذه النساء هي من تستحق أن تكرم في أكبر الحفلات والسهرات، هي من تستحق “الخميسة” الذهبية، هي من تستحق أن تحمل على صدرها ميدالية ذهبية، هي من تستحق لقب المرأة المناضلة والمكافحة والصبورة والمرأة الوطنية.

في مثل هذه الظروف لا يمكن الحديث عن مشكل توقف الدراسة خلال موسم الشتاء والثلوج، على اعتبار أن التعليم هو الحاجة الأولى للمجتمعات الباحثة عن التقدم والتطور، لأن الواقع هو من يحدد طبيعة الحاجيات التي تتطلبها الساكنة، فلا يهم أن يكون الانسان أمي أو فقير…لكن المهم هو “الصحيحة” وهو الحفاظ على الوجود، إنه كفاح من أجل البقاء بين جبال تكتسي حلة بيضاء خلال فصل الثلوج.

ولعل ما يزيد من صعوبة هذه الأزمة هو غياب استراتيجية حكومية لتخفيف المعاناة عن هذه الفئة خلال الفصول الصعبة، استراتيجية استباقية تحدد طبيعة التدخلات الممكن القيام بها خلال فصل الشتاء، وتحدد البدائل الممكنة التي يمكن من خلالها تقديم العون الضروري لهذه الفئة المهمشة التي تعيش خارج التاريخ أو وراءه، تعيش في جبال تجذب إليها أعداد كبيرة من الزوار من مختلف المدن والدول خلال فصل الثلج، في وقت لا تجذب الحالة المأساوية التي تعيشها هذه الساكنة إلا بعض الزيارات وبعض المبادرات الفردية والمدنية التي تحاول دون جدوى إدخال الدفء على مواطني المغرب العميق.

لكن في الوقت الذي عجزت فيه الحكومة عن القيام بواجبها اتجاه سكان مناطق تساقط الثلوج، أطلق الملك محمد السادس نصره الله هذه السنة توجيهاته العليا من أجل مساعدة المواطنين والمواطنات في أعالي الجبال لمساعدتهم على مواجهة موجة البرد القارس، عبر تشييد عدد مهم من المستشفيات الميدانية العسكرية والمدنية المتنقلة للاهتمام بالحالات المرضية التي تستدعي التدخل حفاظا على صحة وسلامة المواطن المغربي.

 

. إنصاف الشراط:

الكاتبة العامة لمنظمة فتيات الانبعاث