الكراهية، الحقد، العنصرية أسس ثلاثة: لـــ،(الاسلاموفوبيا)..؟

2015.02.16 - 4:59 - أخر تحديث : الإثنين 9 مارس 2015 - 5:38 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
الكراهية، الحقد، العنصرية أسس ثلاثة:  لـــ،(الاسلاموفوبيا)..؟

في الجمعة الأخيرة ارتأينا أن يكون مدخل ذلك الحديث فقرة من الكتاب الذي نحاول أن نتتبع بعض مضامينه التي كانت سببا في التعتيم والتحريف اللذين لحقاه، وكانت الفقرة تتعلق بموقفه من محمد عليه السلام، ولكن الفقرة التي ارتأينا أن نجعلها مقدمة لحديث اليوم يلخص فيها الكاتب المبادئ التي يجب أن تكون أساس التعامل بين الناس وعلى اختلاف أديانهم وعقائدهم.

ومن خلال استعراضه لموقف النصارى من محمد عليه السلام والإسلام يرى أن الكراهية هي التي تحدد مواقف النصارى من الإسلام وأهله يقول الكاتب:

ولنعد، إذن، إلى القول إن كل أمة لها تقاليدها التي كرستها العادة، وهي مستقلة عن المفاهيم والتقاليد المخالفة التي تحملها شعوب أخرى حول الموضوع نفسه. كما أن شعبا، وهو يعتقد أنه يتبع أحسن السبل التي يمكنه استخلاصها من المبادئ المعروفة لديه، أقام الديانة والقوانين السياسية وشكل المجتمع الخاصة به، وذلك بشكل جعل الصينيين والعرب، وكلاهما على نسبة معينة من المعرفة، والمسيحيين، وهو في النور الكامل للوحي، لا يستطيع أي منهم، من ناحيته، أن يستخلص من مبادئه الخاصة من النتائج أحسن من تلك التي سار عليها. وهذا ينبغي أن يقودنا إلى:

  • الاحترام المتبادل لتقاليد كل بلد.
  • الرغبة في تعليم أولئك الذين حادوا بحسن نية.
  • الشفقة على أولئك الذين يتفوق لديهم سلطان الأحكام المسبقة على وضوح الأنوار التي بإمكانهم تحصيلها.
  • عدم تصور مبادئ زائفة لتشويه الوقائع المضادة لأفكارنا، والتي نريد أن ننكر وجودها.
  • الاعتراف بخصوص شخص محمد ذاته، بأن أي إنسان ينشد أمرا بمثل هذه العظمة، وينجزه بكل هذا النجاح سواء في الدين أم في السياسة، لا يمكن أن يكون أبدا موضوعا للتحقير من خلال نعته بعيوب طبيعية (مزعومة).

والمنطق السليم يحملنا، بالعكس، على الحكم بأنه من الأحرى، وحتى ولو سلمنا بدجله المزعوم، أن يمتلك حتما كثيرا من المزايا العليا التي فرضها على غيره من الناس كي يسوقهم في توجهاته، وأنه من الأولى أن يبدو “غشه” دوما، على الأقل في نظر من أغواهم، في مظهر الحقيقة الكاملة، ليتمكن من ضمان ولائهم.

لذلك، بدلا من سلب محمد، اعتباطيا، المواهب التي قد تكون يسرت نجاحاته، بدافع وحيد ينحصر في شعور الكراهية الذي يمكن لأي مسيحي في الحقيقة أن يحمله ضد العدو الأكبر لديانته (رغم أن هذه المزايا والمواهب لا تمس في شيء بالمسيحية، إذ يتعلق الأمر برجل مات منذ أكثر من ألف سنة)، يجب أن نعترف أن هذه الرغبة في الثأر تقلص من قدرتنا على التفكير المنطقي إلى حد العبث، لأنه لو كان نجاح هذا الرجل قد تم دون وسائل طبيعية، فإن ذلك لا يعني إلا أنه تم بفضل الله، الذي سيتهمه عندها الكفار بأنه قد قاد نصف العالم إلى الخطأ، وحطم بعنف وحيه ذاته.

 

*****************

 

ديانة لا هرطقة

تناولنا في القسمين الأول والثاني من الإطلالة على كتاب (تاريخ العرب وحياة محمد) للكاتب والمفكر الفرنسي «الكونت دوبو لا نفيلييه) أجزاء بل فقرات من مقدمة المترجم والمعلق على متن الكتاب، ونواصل في هذا القسم الأخير من محاولة استكناه بعض القضايا والمسائل الخلافية بين النصرانية والإسلام، والتي استغلت باستمرار للنيل من الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم وحاول المؤلف أن يخرج من خلالها بخلاصات لا تصرح ولكنها تلمح إلى أن رسالة محمد جاءت رسالة تصحيحية، بل هو في بعض الأحيان يصرح بما يراه في موضوع الخلاف، بل هو كما رأينا في القسم الثاني زيف شبهة من الشبه التي ينشرها خصوم الإسلام وأعداؤه سواء في القديم أو الحديث، وذلك حتى لا تبقى ظلال من الشك في استقلالية الدعوة المحمدية، وإنها ديانة خاصة وليست هرطقة أملاها عليه راهب من أولئك الرهبان الذين كانوا موجودين في جزيرة العرب وبلاد الشام.

الصد عن الحق

      وإذا كان أشهر تلك الشبه هو ما يتعلق براهب (بصرى). فقد رأينا كيف نسفها المؤلف نسفا بأسلوب علمي ومنطقي لا يترك لقائل مقولة في الموضوع. ومع أنه ليس وحده الذي برهن على أن ما بني على هذا اللقاء غير صحيح وسليم، فإن مروجي الشبه والأكاذيب لا يزالون كما قلنا يثيرونها في وجه الشباب المسلم ويضللون بها الكثير من أرباب الديانات الأخرى وبالأخص النصرانية، ففي سعيهم الدائم والمستمر لعرقلة مسيرة الحق والإبقاء على الترهات والانحراف يرددون هذه الفرية كما يرددون غيرها كثيرا من أجل البلبلة والصد عن الهدي وسبيل الحق.

في صميم المعتقد

وإذا كان الرجل قد نسف هذه الفرية فإنه كذلك تعرض من بين القضايا التي تعرض لها إلى قضية أخرى هي من صميم العقيدة النصرانية بل هي أس من أسسها وإذ يبطلها فذلك ليبني على ذلك قضية أخرى لا تقل أهمية في العقيدة المسيحية بل هي من أسس الإيمان النصراني الذي بدونه لا تكون العقيدة النصرانية ذات أثر وتأثير في معتنقيها. إذ هي في صميم المعتقد النصراني.

الخطيئة الأصلية

لقد تناول الكاتب مسألة الخطيئة الأصلية كما يومن بها النصارى وآتى عليها من أسسها وجعلها أمرا إن لم يكن زائفا وغير جائز في حكم العدالة الإلهية فهو على كل حال أمر جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليحرر الناس منه بصفة نهائية حتى لا يبقى الرهبان المنحرفون يستعملونها.

وذلك أن بعض التعابير المسيحية إنما تؤخذ وتستخلص من هذه القاعدة فعندما تستعمل كلمة (الخلاص) أو (الفداء) فهذا يعني أن المسيح قدم نفسه فداء وخلاصا للإنسانية من تلك الخطيئة التي ارتكبها آدم في الجنة عندما أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، ولذلك فالمسيح يدعي عندهم كذلك بالمخلص والفادي، وإذا تم إبطال هذه القضية فإن جزء مهما من العقيدة كما قلنا يبطل. وان كان الأمر يصور في أكثر من ذلك حيث يقال أن الأب (الإله) قدم ابنه فداء للإنسانية «تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا».

والقرآن والخطيئة الأصلية

 فالقرآن عندما يتحدث عن هذا التصرف من أدم عليه السلام يقرنه باستمرار بما يفيد الاستغفار والإنابة، أو بما يفيد العفو والهداية والاجتباء فآدم يقول: «ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» فهو هنا يتحدث عن نفسه ومعه زوجه حواء والمسألة منوطة بهما دون سواهما، ولكن القرآن صريح في قوله تعالى: «وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى»، (سورة طه) وهكذا يكون الأمر محسوما بين آدم وبين خالقه، ومن تم فلا وزر عليه، وأحرى على ذريته.

المسؤولية فردية

      وذرية آدم بريئة من شيء من هذا فالإنسان تكون صحيفته بيضاء نقية بل هو يبقى على هذه الحالة إلى أن يصل إلى مرحلة التكليف وحيث يكون آنذاك مسؤولا عن تصرفاته وأعماله بصفة شخصية، بل إن القرآن الكريم رد على أولئك الذين يعدون غيرهم أنهم سيحملون أوزار غيرهم، وهم غير قادرين على حمل أوزارهم الشخصية فكان القرآن في كثير من الآيات والرسول في كثير من حديثه عليه السلام يؤكد أن الإنسان هو المسؤول عن أعماله وانه لا يتحملها احد نيابة عنه فالقرآن يقول: «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسبيا، من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى».(الإسراء)

الإنسان ذو بصيرة

هكذا يوضح القرآن الكريم هذا المبدأ الأصيل وهو أن الإنسان على نفسه بصيرة وانه لا يتحمل ذنب غيره وغيره لا يتحمل وزره فالمسؤولية شخصية وفردية هذا المعنى هو الذي حاول الكاتب إبرازه في هذه الفقرات التي سنحاول اليوم أن نسايره فيها في حديث الجمعة من أجل أن نرى كيف يفكر بعض دون الضمائر الحية من النصارى يقول المؤلف:

مشروع متفوق

«ولنعد مع ذلك، إلى أسفار محمد التي مثلت فرصة لنقل العديد من المعارف إلى داخل شبه الجزيرة العربية وخاصة تلك المعارف التي حولت مفاهيم  صياد أو تاجر قوافل إلى مفاهيم رجل دولة لا مثيل له، ومشرع تفوق على كل من أنتجتهم اليونان القديمة، فكلما تقدم العمر بمحمد وازدادت قوته، كان ذهنه يزداد قدرة على تصور مشاريع أعظم، وبالرغم من أن التجارة كانت تبدو هدفه الأساسي آنذاك، فإنه ما من سفرة قام بها إلا وحصل منها على شيء من الفائدة من نوع آخر». (ص.183)

الخبرة أو الوحي

إن هذه الفقرة التي يقر فيها المؤلف يتفوق محمد على اليونان وغيرهم باعتبار ما أتى به من تشريعات وحكمة فاقت ما قبلها، إلا أنه يردها إلى خبرة اكتسبها محمد من أسفاره وتنقلاته، والمؤلف هنا ينزلق نحو ما كان سائدا ولا يزال عند البعض باعتبار محمد هو المبدع دون الرجوع إلى الوحي ولاشك أن المؤلف في هذا ساير ما كان متداولا لأنه فيما بعد يتحدث في الفقرة الموالية عن شيء يعاكس ما سبق.

العدالة الإلهية والشرك

        ويجمع الكاتب في الفقرة التالية بين الخطيئة الأصلية ومسألة الشرك بالله والاعتقاد في الأيقونات والتماثيل وبين خطأ الديانة المسيحية في ذلك وسنورد الفقرة رغم طولها محاولين تجزئتها بعناوين فرعية يقول:

وهكذا، وما دام محمد لا يتصور أن العدالة الإلهية يمكن أن تحمل إنسانا وزر خطيئة لم يرتكبها، فإنه لم ير أن رضاء المسيح ضروري لتطهير الجنس البشري من أي خطيئة أصلية» (ص:194)

الشرك و المعجزات

ثم اعتبارا منه أن مبدأ الاعتقاد الجامح في الصور والأيقونات، ليس إلا نوعا من الشرك للقديسين في الألوهية (أي تلك الفكرة المتعلقة بالقدرة على فعل المعجزات والعجائب والتي كان يعتقد أنها خاصة بالله وحده، وكانت رغم ذلك شائعة نسبتها إلى بعض الأموات المعتبرين سعداء قبل يوم الحساب الأخير)، فقد حرم ذلك الاعتقاد وأدائه، ليس فحسب بوصفه تناقضا صريحا، لكن أيضا باعتباره تعديا على الله الذي لا يمكن أن يكون له شريك» (نفس الصفحة).

تناقض

«ومن هنا، وبخصوص مبدأ تجسيد كلمة الله، الذي يجعل إلها من إنسان حقيقي بواسطة الاتحاد الطبيعي بين طبيعتين متناقضتين، كما هو الشأن بالنسبة إلى المحدود واللامحدود، فقد اعتقد أنه تم تحريف كلام المسيح نفسه وكلام حوارييه، ووقع إعطاؤه معنى لا يمكن أن يتضمنه، ولا أحد باستثناء أولئك المتطرفين يمكن أن يعطيه إياه». (نفس الصفحة).

المجد الحقيقي

 «ولم يكن محمد أقل صدمة، أيضا تجاه ذلك المبدأ (المسيحي) الذي يفصل بين نفس الإله وروحه ليجعل منهما ذاتين منفصلتين. ودون الرجوع إلى الأفلاطونيين ولا إلى المصادرات الفلسفية لهذه المدرسة، فقد تصور محمد أنه يعيد إلى الله مجده الحقيقي ويعيد إلى الشعوب ملكة الاستعمال السليم للعقل بمنع جميع الأفكار الملتبسة والغامضة، والتي يمكن أن تكون محل خلاف وقد أدت، فعلا حتى ذلك الحين، إلى الكثير من الخصومات». (نفس الصفحة)

التوحيد الخالص

أن المؤلف في الفقرة الموالية يوضح كيف قام محمد عليه السلام بإدانة الشرك وخلق الانداد لله سبحانه وجعلوا اقانيم مقدسة من دون الله. والمؤلف هنا واضح فهو ينتقد أصلا من أصول الإيمان النصراني في موضوع التثليث فكما رفض اتحاد الطبيعتين ((الناسوت لاهوت)) واعتبرها متناقضة فإنه هنا يشيد بالتوحيد الخالص الذي جاء به محمد عليه السلام.

إسقاط الابن والأب

«ولما كان محمد يرى ضرورة اختزال العقيدة لدى المؤمنين في الإيمان بإله وحيد، مطلق، خالق للكون، عادل، مثيب على الخير والشر، فقد شكل هذا لديه القانون الأساسي الذي يدين من خلاله كل أنواع الشرك، كما يدين أولئك الذين، بجهلهم لبساطة الذات الإلهية، جعلوا لها ابنا وروحا قدسيا غير الله ذاته».

ديانة جديدة

إن المؤلف يخرج بصفة نهائية عن ادعاء أن محمدا مجرد إنسان يعبر عن توجه (راهب منشق) وإصابته بلوثة الهرطقة ليؤكد أن محمدا عليه السلام أسس ديانة جديدة.

«هذه هي الطريقة التي تصور بها محمد بنية ديانة جديدة ونظامها، ديانة مجردة من كل الخلافات، وهي، ولئن كانت لا تعرض على الناس أي عجائب يمكنها أن تتحدى العقل، فقد أتاحت لخيال البشر الاكتفاء بعقيدة بسيطة وغير متغيرة، وبالرغم من الاندفاع والحماسة العمياء التي قد تجذبهم في أحيان كثيرة خارج ذواتهم». (ص:195)

عقيدة بدون تعقيد

      إن المؤلف يعود مرة أخرى ليؤكد نفي الزعم بخرافة الراهب ولكنه يزيد في هذه الفقرة ليسفه أن محمد كان رجلا يتصف بكثير من العيوب والأمراض فالعقيدة التي جاء بها عقيدة سليمة ومتفقة مع العقل وبسيطة وليس فيها ما يعجز الإنسان على إدراكه وكأني به يحلل ما جاء في بيت البوصيري في قوله:

             لم يمتحنا بما تعيا العقول به        حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم

«وهذا النظام لا يمكن أبدا الزعم بنسبته غلى تدبير راهب جاهل ولا على مخادع غريب، كانا قد اختارا بالتحديد رجلا مليئا بالعيوب والنواقص الطبيعية التي أجبراه لاحقا على إخفائها بجميع أنواع الخدع ليجعلا منه رسولهما. ولكنه يبدو، بالأحرى، نظاما ناتجا عن تأمل طويل وعميق حول طبيعة الأشياء، وحول واقع العالم وظروفه في ذلك الزمن، وحول مدى تلاؤم الأمور الدينية مع العقل الذي ينبغي دائما أن يختبر كل ما يعرض عليه للنظر».

الأروع والمثل الأعلى

      والمؤلف هنا يشيد بالدين الذي جاء به محمد حيث يرى أنه النظام الأروع الذي أنجزه محمد بشجاعة وإيمان والمؤلف هنا يشيد بصفات محمد وأخلاقه ضدا على تهم وترهات الغرب المسيحي آنذاك وحتى الآن. فمحمد جاء بالأروع والأسمى خلقا وكان هو المثل الأعلى.

«ويمكن أن نعتبر أيضا هذا النظام العقدي بمثابة العمل الأروع الذي استطاع الطموح أن يحفز عليه أبدا إنسانا، مثل محمد، على غاية من الشجاعة، فلم يتردد في الإقدام على إنجازه، وقد أدرك إمكانية انهيار إمبراطوريتين عظيمتين لدى الجنس البشري منذ قرون عديدة، وذلك بالرغم من اعترافه أولا بأن إنجاز مشروع عظيم كهذا لا يتطلب قبل كل شيء أقل من تغيير قلوب جميع الناس وأذهانهم باقتلاعهم من أنفسهم، من عاداتهم، من أحكامهم المسبقة والمعارف التي شبوا عليها وشاخوا». (نفس الصفحة)

وأخيرا، وبعد أن تصور، ببرود دم، مختلف المصاعب التي قد تعترض هذا المشروع، وفكر فيها طويلا، كانا له شجاعة الإقدام على إنجازه، ومجد النجاح في ذلك.(ص:195)

تناقض صارخ

      إن المؤلف يعرف معرفة جيدة المجتمع الذي يتوجه إليه بكتابه وخطابه فإذا كان المجتمع النصراني مجتمعا يومن بالوحي وبالمعجزات ولا يمكن مقارنة المجتمع المومن بالوحي بالمجتمع الذي لم يسعفه الحظ بالاتصال بالسماء عن طريق الوحي، هذا ما يراه، والواقع انه لا يمكن الجزم بأن هذه المناطق لم تعرف وحيا فالقرآن صريح في كون الله سبحانه بين وقص على رسول بعض قصص الأنبياء والرسل ولم يقص غيرهم على أي حال فإن المؤلف يستنكر أن يكون المسيحيون من جهة يقبلون الوحي ومن جهة يرفضونه فهذا تناقض صارح.

لا مفاجأة

«فلا نفاجأ بعد هذا، نحن الذين نتقبل الوحي الخارق باعتباره قاعدة لمعارفنا وإيماننا وعدالتنا (وهو وحي تم اعتباره الترياق الوحيد لفساد الطبيعة والجهل الذي رمتنا فيه الخطيئة) بأن نجد، في الطرف الآخر من العالم، صينيين، لكونهم محرومين من مساعدة الوحي، فهم لا يدركون إلا ما يرونه، ولا يعرفون التفكير إلا فيما هو محسوس لديهم، فيضفون على قوة المادة ما نضيفه نحن على قوة الطبيعة الروحية التي يرفضون وجودها وحتى إمكانية ذلك الوجود. إنهم عمي وربما عنيدون، ولكنهم هكذا منذ أربعة أو خمسة آلاف سنة، ولم يمنع جهلهم وعنادهم دولتهم السياسية من أي من هذه المكاسب الرائعة التي يمكن للإنسان العاقل أن يطمح إليها، وينبغي أن يحصل عليها من المجتمع: من رفاهية، وخصب، وممارسة للفنون الضرورية، ودراسات، وطمأنينة، وأمن». (ص: 163)

اعتراض

ويواصل المؤلف وصف حياة العرب ويتحدث عن دينهم ويرى أنهم يرفضون بطبعهم وعقيدتهم الأولى أن ينساقوا وراء الأحبار أو أن يسعوا لحرمان أنفسهم من لذائد الحياة يقول:

«وبنفس المنطق: أو لم نعترض على العرب، الذين يقعون في نصف المسافة التي تفصلنا عن الصينيين، وإن كانوا أكثر منهم استنارة (بسبب عقيدة آبائهم القديمة التي عرفتهم أنه يوجد إله واحد، كامل في جوهره وفي قدرته، خالق مبدع لكل ما هو موجود خارجه، عادل في مجازاته للخير والشر، وهو يريد أن يحب ويخشى من قبل أولئك القادرين على معرفته)، ولكنهم أيضا أكثر منا حذرا بخصوص التطور الذي تستطيع السذاجة البشرية تحقيقه في صورة تقوى، فلم يشاؤوا أن يخلطوا مثل هذه العقيدة الرائعة، الحق، مع مجرد آراء لبعض الأحبار. إنهم لم يتصوروا بالمرة أن ابتلاء الطبيعة، والحرمان المتواصل من اللذة، يمثلان تقديرا من قبل المخلوق لخالقه، الذي كان في مقدوره، أصلا، حرمانه من تلك الإحساسات اللذيذة، لو كان فعلا قد حرم استعمالها.» (ص:163)

ولم يكونوا يعتقدون أيضا أن الرسل (الذين يؤمنون بضرورة رسالتهم، كما قلنا سابقا، لإيقاظ مفاهيم ذهنية تتخفى بسهولة كبيرة في ظل حالات السهو والمشاغل اليومية للناس) يتم إرسالهم لتعليم عقائد جديدة أو غريبة أو هي محل رفض.» (ص:164).

نقد المسكونيات

      والمؤلف وهو يتحدث عن العرب وعقيدتهم وهو في الواقع يتحدث عن الإسلام والمسلمين وأنهم يرفضون المجامع المسكونيات و تلك المجامع التي تحدد للناس عقائدهم وتغير كلما ظهر لها ذلك، ولاشك أن هذه المجامع كانت من بين ما رفضه دعاة الإصلاح الديني في أوربا وهو عندما يتحدث هكذا إنما يغمز في قناة النصارى وأسلوب تغيير عقائدهم وتحديد مجال الإيمان.

إنهم لا يقبلون بالمسكونيات oecuménicités المختلفة في التعبير عن حكمة الله، وإنهم ليريدون أخيرا الاعتراف بأن ما هو حل اليوم، هو كذلك منذ بداية الكون، وأن واجبات المؤمن لم تتغير أبدا». (نفس الصفحة)

الوحي والفطرة

      إن المؤلف هنا في هذه الفقرة يدخل في مجال المقارنة بين الإسلام الذي يراه ويدركه من خلال عقائده التي لا تقاوم العقل وبين العقائد النصرانية السائدة بين النصارى في هذه المقارنة الذكية والمنصفة نتابع المؤلف وهو يسرد هذه القيم والمبادئ التي تقرها العقول والقطر السليمة ولكن الأمر ليس مجرد أشياء توارثها العرب ولكنها أمور أتى بها الوحي كما سيتدارك في الفقرة الموالية.

مبادئ مختلفة

لا شك أن هذه المبادئ مختلفة تماما عن مبادئنا، ولا نستطيع أن نرى فيها إلا تصورا طبيعيا في عمل العقل البشري إذا ما ترك لشأنه أو حرم من مساعدة الوحي. فالعرب، الذين يحتلون مكانة وسطا بيننا وبين الصينيين، يستندون، كما رأينا، إلى تقاليدهم البطرقية التي يبدو أنها حفظت لهم ذكرى خلق الكون والطوفان وغيرهما من الأحداث الأولى التي تعتمد لتثبيت الإيمان بإله لا يرى، وإقرار الخوف من قضائه. ولكن هذه الذاكرة لا تتضمن أي قاعدة أخلاقية خصوصية فيما يتعلق بالتعفف وإماتة الحواس، وإنما تتعلق فحسب، بالعدالة المتبادلة، التي بدونها لن يكون هنالك مجتمع، وهي لا تقدم لنا، أيضا، أي معرفة ذهية، اللهم إلا مجرد الاعتقاد بوجود ملائكة، هم الخدم الخصوصيون للإرادة الإلهية، ولكنهم يجهلون صورة هؤلاء الملائكة وطبيعتهم». (ص:164)

المتعة الحسية

      والمؤلف يعود في هذه الفقرة لانتقاد الفكرة الشائعة التي لا يزال الناس يرددونها حول تعدد الزوجات وغيرها من المسائل الراجعة إلى المتع الحسية التي يشيعون أن محمد أباحها ليتبعه العرب ويومنون برسالته.

«إن هذه الأفكار، مقارنة بما نحمله نحن عن النعمة الإلهية والوحي، أو بخصوص المسائل الأشد عدلا وضرورة، المترتبة عنهما، والتي تمكن علماء دين كبار من استخلاصها، لا تبدو لنا إلا بمثابة ذرات من المعارف».

استنتاج خاطئ

      إن المؤلف في هذا الفقرة ينتقد الاستنتاج الخاطئ الذي لا ينبني على أساس سليم لأنه يفترض أمورا غير واقعية ويشير هنا إلى مسألة تعدد الزوجات التي سوف يتعرض لها بتفصيل في موضوع آخر من الكتاب.

«إلا أنه لا يمكننا أن نستخلص من ذلك أنه لم يكن على محمد، حتى يتمكن من إثارة أناس متشبعين بمثل هذه الأفكار، إلا أن يطلق لهم عنان الشهوة في الحياة ويعدهم بنساء أبكار في الآخرة. إن هذا المنطق خاطئ بكل وضوح، إذ يفترض أن البلاد العربية لم تكن تعرف قبل البعثة المحمدية تعدد الزوجات ولا مارسها الشرق بأكمله قبل ذلك. وهذا مناقض للحقيقة ولما هو معروف وأكيد في هذا الخصوص».

ذ. محمد السوسي