الفريق الاستقلالي بمجلس النواب يصوت بالامتناع عن مشروع قانون القضاة

2015.11.01 - 8:04 - أخر تحديث : الأحد 1 نوفمبر 2015 - 8:14 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
الفريق الاستقلالي بمجلس النواب يصوت بالامتناع عن مشروع قانون القضاة

       المشروع يشكل تراجعا عن الحقوق المكتسبة للمهنيين والموظفين من أجل الولوج إلى سلك القضاء

 

صادق مجلس النواب في جلسة عمومية يوم الثلاثاء الأخير على مشروعي قانونين تنظيمين يتعلق الاول بمشروع القانون التنظيمي رقم 13-100 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والثاني بمشروع القانون التنظيمي رقم 106.13 الذي يتعلق بالنظام الأساسي للقضاة وقد تميزت هذه الجلسة بالكلمة التي القتها الأخت فتيحة مقنع باسم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية جاء فيها:
يشرفني أن أتدخل باسم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية في مناقشة مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، وهو ما سبق أن ناقشناه على مستوى لجنة العدل والتشريع وحقوق الانسان، بحيث أخذت منا المناقشة فترة طويلة، بعد أن أحيل على الجلسة العامة وتم إرجاعه إلى اللجنة قصد إعادة الدراسة والتصويت من جديد، وكان الهدف من ذلك تعميق النقاش وتوضيح مختلف الجوانب نظرا لأهمية هذين النصين التأسيسيين اللذين يشكلان أعمدة أساسية للمنظومة القضائية ذات الارتباط الوثيق بمختلف جوانب الحياة العامة من أمن قانوني وسلامة الأسرة والمجتمع وضمان المعاملات وحماية الاستثمارات.

لقد أحدث دستور فاتح يوليوز 2011 تطورا نوعيا في مجال القضاء، إذ لأول مرة في التاريخ القضائي المغربي، جعل الدستور من القضاء سلطة مستقلة إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية وذلك بموجب  المادة 107 من الدستور، وهو ما يتماشى مع المواثيق والمعاهدات الدولية التي صادق عليها المغرب والمرتبطة بمجال القضاء وحقوق الإنسان، فضلا عن استجابته لمطالب العديد من الهيئات السياسية والحقوقية والمدنية والمهنية.
ثم إن التطورات التي عرفتها بلادنا على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فرضت ضرورة تطوير الترسانة التشريعية المرتبطة بمجال السلطة القضائية والعدالة بصفة عامة. 

مشروعان يتمازجان 

من دون شك يجمع المغاربة على أن دستور 2011 يعتبر نقلة نوعية في التاريخ السياسي المغربي وبالتالي في جميع المجالات، وخاصة في مجال القضاء الذي يعتبر ركيزة أساسية لقيام الدولة واستمرارها، وبالتالي فالتعاطي بحكمة مع هذا الموضوع الذي يعتبر ورشا كبيرا يمكن أن يعطي إضافة نوعية لمسار العدالة بالمغرب بصفة عامة، فكما لا يخفى عليكم فإن دستور 2011 جاء بباب خاص وهو الباب السابع والمتعلق بالسلطة القضائية.
ويبقى كملاحظة عامة أن مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بالإضافة للنظام الأساسي للقضاة هما مشروعان يتمازجان إلى حد كبير جدا لدرجة يصعب معها التمييز بينهما، ولذلك كنا نطمح لو أن الدستور تحدث عن قانون تنظيمي واحد يعالج كلا المجالين في نص واحد وليس قانونين منفصلين.
فبالنسبة للفصل 116 من الدستور فإنه كان واضحا في التنصيص على قانون تنظيمي متعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي من شأنه أن ينظم مجال السلطة القضائية في حلة جديدة وبشكل جديد وبصلاحيات جديدة، وباختصاصات أوسع مما كانت عليه في النسخة الحالية المتمثلة في المجلس الأعلى للقضاء.
ويمكن القول بأن مطلب إصلاح القضاء وإصلاح منظومة العدالة كان مطلبا رئيسيا لدى كل نساء ورجال السياسة ولدى كل النشطاء الحقوقيين والفاعلين المدنيين بالإضافة إلى كل نساء ورجال القضاء وكذا للمهنيين والمختصين وكل من لهم صلة بمجال العدالة، وفي مقدمة المطالبين بإصلاح هذه المنظومة كانت المؤسسة الملكية، حينما اعتبر جلالة الملك أن «الحق هو قوام المؤسسات ودولة الحق والقانون وهو تحفيز للاستثمار وتحقيق للتنمية»، ومن هنا كان الإلحاح الكبير على ضرورة إصلاح هذا القطاع لكونه وبحق ركيزة من ركائز دولة الحق والقانون والمؤسسات وسيادة القانون.
إلا أن الحوار الوطني حول الاصلاح العميق لمنظومة العدالة يعاب عليه غياب المقاربة التشاركية في مجمل أطواره بفعل مقاطعة أشغاله من طرف جل الفاعلين الحقيقيين المنتمين للجسم القضائي من قضاة ومحامين وكتاب الضبط وكذا من أصحاب المهن القضائية، وبالتالي فإن مستخلصات هذا الحوار لم تأت معبرة عن آراء مختلف الفاعلين والمهتمين.
ومن جهة أخرى لا بد من الإشارة إلى أن موضوع استقلال القضاء،بالاضافة إلى كونه مبدأ مكرسا في الدستور المغربي لسنة 2011، فهو يعد مبدأ أساسيا والتزاما دوليا وفقا لإعلان «مونتريال» بكندا سنة 1983 لاستقلال العدالة، وانسجاما أيضا مع المبادئ الأساسية للأمم المتحدة لعام 1985 المتعلقة باستقلال القضاء، كما أنه عنصر محوري في عملية الإصلاح ودافع إيجابي نحو ترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف ومبادئ حقوق الإنسان وضمان حرية المواطن الأساسية، وإعادة الثقة لمنظومة القضاء وإرساء مبادئ عدالة نزيهة ومنصفة وذات مصداقية لدى المجتمع.

 إصلاح النيابة العامة عنصر أساسي

فقد جاء مشروع القانون التنظيمي رقم 13-100 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بموجب الدستور الجديد، محل المجلس الأعلى للقضاء، حيث ينص الفصل 113 من الوثيقة الدستورية على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ولاسيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم، ويضع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بمبادرة منه، تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويُصدر التوصيات الملائمة بشأنها، ويُصدر أيضا، بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان، آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بالعدالة مع مراعاة مبدأ فصل السلط.
لذلك، فان اصلاح مؤسسة النيابة العامة يشكل عنصرا أساسيا ضمن نسق إصلاح منظومة العدالة لكونها تعتبر مؤسسة قضائية أساسية وأن أي إصلاح لا يمنحها استقلالا حقيقيا، يبقى إصلاحا ناقصا وغير متكامل.
فكما لا يخفى عليكم فإن هذا النص رغم كونه يعد قفزة نوعية في تاريخ المنظومة القضائية ببلادنا بجعلها سلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية فإنه لا زال يتضمن جوانب عدة بقيت غامضة من أهمها:

  • الغموض حول طبيعة العلاقة بين وزارة العدل والسلطة القضائية خاصة على مستوى علاقة الوزارة بالإدارة القضائية والإشراف الإداري على المحاكم ؛
  • الغموض حول طريقة التعيين في مناصب المسؤولية القضائية؛
  • الغموض حول التمييز بين الأعضاء من القضاة المنتخبين والأعضاء المعينين بخصوص مدة ولايتهم بجعل مدة القضاة المنتخبين محددة في خمس سنوات غير قابلة للتمديد وجعل مدة الأعضاء المعينين محددة في أربع سنوات مع جعلها قابلة للتجديد ؛
  • استهداف الأفواج الجديدة من القضاة بفرض أقدمية خمس سنوات من العمل الفعلي بالمحاكم كشرط للترشح لعضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية وهو شرط لم يكن معمولا به في المجلس الأعلى للقضاء خلال الفترة السابقة التي دامت حوالي نصف قرن من الزمن؛
  • الأخذ بتقارير المسؤولين القضائيين كعامل مؤثر في ترقية قضاة الأحكام قياسا على قضاة النيابة العامة، وهو ما من شأنه أن يتحول إلى عامل للمس باستقلالهم أو محاولة تعريضهم للتأثير غير المشروع ؛
  • الغموض حول مدونة سلوك القضاة. 

تحصين القاضي من المؤثرات المادية 

أما فيما يتعلق بمشروع القانون التنظيمي رقم 106.13 الذي يتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، فإن أول ما نسجله بخصوصه هو تغيير عنوان مشروع القانون هذا من «النظام الأساسي لرجال القضاء» إلى «النظام الأساسي للقضاة» وإن كنا نأمل أن يكون عنوانه هو «النظام الأساسي للقاضيات والقضاة» إلا أنه تم اعتبار جمع قضاة يشمل الإناث والذكور على حد سواء.
ثم إن هناك ملاحظة ثانية على هذا المشروع بخصوص المادة الأولى منه التي جاء التنصيص فيها على الفصل 112 من الدستور فقط دون التنصيص على الفصل 117 من الدستور أيضا التي وردت في المشروع بعيدة ب 33 مادة عن الأحكام العامة وذلك حتى تظهر في الوهلة الأولى الغاية الأساسية لهذا المشروع والتي تجمع بين تحصين القضاة وضمان استقلاليتهم وكذا حماية حقوق المتقاضين بالموازاة مع ذلك، من أجل إعطاء هذا المشروع مدلوله الحقيقي، كنا نـأمل أن يتم التنصيص على الفصلين معا 112 و 117 من الدستور في المادة الأولى المذكورة التي جاء بها المشروع في باب الأّحكام العامة.

هذا من حيث الشكل أما من حيث الموضوع:
فمن خلال الرجوع لمواقف مختلف الفاعلين في مجال إصلاح القضاء، والذين كان لفريقنا لقاءات عدة معهم، يتضح لنا أن هناك إصرارا من الجميع على ضرورة إصلاح هذا الورش بالرغم من الاختلاف في منطلقات ورؤى الإصلاح وكيفية تحقيقه على أرض الواقع، مع الإقرار بأن الغالبية اعتبرت أن إصلاح القضاء هي مسألة تقنية تتعلق أولا وأخيرا بالقاضي وضرورة تحصينه من المؤثرات المادية والمعنوية، وركزت على مفهوم استقلال القاضي ، كما ركزت هذه الرؤية على ضرورة إصلاح المحيط الذي يعمل فيه القاضي، وهي نفس الرؤية التي تبنتها المنظمات الحقوقية من خلال المذكرات العديدة التي رفعتها بشكل متكرر.
ويبقى في الأخير أنه انطلاقا مما سبق أن مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة يتضمن عدة ثغرات، وتقدمنا بتعديلات بخصوصها ومنها ما تم قبولها ومنها ما ووجهت بالرفض، وكان حريا على الحكومة قبولها.    

  • كنا نأمل ألا يكون التراجع عن الحقوق المكتسبة بالنسبة للمهنيين والموظفين من أجل الولوج إلى سلك القضاء.

فالمادة 7 من هذا المشروع صادرت حق المحامي في تعيينه في سلك القضاء، وهو تراجع عن حق مكتسب، إذ فرضت عليه شروطا تعجيزية، وذلك بشرط حصوله على الدكتوراة في  القانون إضافة إلى ممارسته الفعلية للمهنة لمدة 10 سنوات، علما أن مهنة المحاماة هي المدرسة الفعلية في مجال القضاء.

تقييد واستياء وتخوف 

  • كنا نأمل ألا يقيد هذا المشروع من حرية التعبير للقاضي ما دام دستور 2011 أعطاه الحق في ذلك، طبقا للمادة 111 منه. طبعا بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية.
  • وكنا نأمل أن لا يأتي المشروع بتحفظ على تطبيق المادة 20 من مشروع  النظام الأساسي للقضاة والمنصوص عليه في المادة 107 من هذا المشروع لارتباطها باستقلال النيابة العامة، لأن الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان يوم 9 أكتوبر 2015 ينص صراحة على أن: «إن ما يهمنا ليس فقط المصادقة على القوانين ونشرها في الجريدة الرسمية، وإنما أيضا تفعيل هذه التشريعات وتنصيب المؤسسات،التي تقاس مكانتها بمدى قيامها بمهامها وخدمتها لمصالح المواطنين».
  • كنا نأمل أيضا ألا يخلق هذا المشروع استياء وتخوفا لدى القاضي نتيجة المادة 89 التي اعتبرت خطأ جسيما أي تصريح للقاضي يكتسي صبغة سياسية وهي عبارة فضفاضة، وأن أي تصريح يمكن اعتباره كذلك ويؤدي إلى توقيف القاضي، وهذا يتناقض مع مقتضيات الدستورالجديد في فصله 111 الذي أعطى للقاضي الحق في حرية التعبير وكذا الانتماء إلى جمعيات أو إنشائها، وكذا بخصوص الخرق العمدي والواضح  لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق الأطراف الذي يعتبر حقا خطأ جسيما أيضا ويمكن توقيف القاضي نتيجته، هنا يصعب إثبات العمد أولا وثانيا أن طرق الطعن هي معروفة وإلا ستصبح كل القرارت التي سيتم نقضها إثباتا ضد قاضي المحكمة الابتدائية والاستئناف ويمكن توقيفهما، وهذا يتنافى مع الفصل 122 من الدستور الذي ينص على أنه يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي للحصول على تعويض تتحمله الدولة.

سيدي الوزير لهذه الأسباب مجتمعة سنصوت في الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بالامتناع على هذا المشروع.