2015  سنة الاحتقان الاجتماعي

2015.12.30 - 12:12 - أخر تحديث : الأربعاء 30 ديسمبر 2015 - 12:22 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
2015  سنة الاحتقان الاجتماعي

اقتربت هذه السنة من نهايتها، لتغيب في العدم حاملة معها آمال وآلام شعب كامل، حيث عاش المغرب على وقع موجة من الاحتجاجات التي لم يكن سببها سوى الفشل الحكومي في تدبير مجموعة من الملفات الاجتماعية الحساسة، التي مازالت تراوح مكانها.. احتجاجات تعبر عن يقظة مختلف فئات المجتمع،وعن دينامية التجربة الديمقراطية ببلادنا، لكن الحكومة لم تعرها أي اهتمام وهو ما يجعل 2015 سنة احتقان اجتماعي بامتياز.
وقدعرف المغرب خلال هذه السنة، موجة من الاحتجاجات، منها ما هو محلي كما هو الحال مع أزمة “أمانديس”، تم  ما هو قطاعي كتلك التي عرفتها مدارس التعليم العالي وتكوين الأطر، وأيضا احتجاجات نقابية تتعلق بملفات محددة كان من أبرزها ملف التقاعد، بالإضافة إلى مجموعة من الاحتجاجات الأخرى التي بينها تجمهر المئات من المغاربة أمام مكاتب التصويت واحتجاجهم على حرمانهم من حقهم في التصويت  خلال الاستحقاقات الانتخابية التي عرفها المغرب يوم 4 شتنبر 2015، كما هو الحال مع مجموعة من المواطنين بالمناطق النائية الذين عبروا عن سخطهم بعد حرمانهم من شروط العيش الكريم ،والمتمثلة في الطرق و الماء الصالح للشرب والخدمات الصحية، كما عرفت الاحتجاجات بعدا أخر انخرطت فيه نخبة المجتمع ،بعد خروج الأطباء المقيمين والداخليين والأساتذة المتدربين للشارع العام وإيصال صوتهم لمن يهمهم الأمر.

انتفاضة ضد غلاء فواتير استهلاك الماء والكهرباء

 هذه السنة شهدت احتقانا اجتماعيا، لم يحصل له مثيل من قبل، حيث عرفت مدينة طنجة احتجاجات توسعت رقعتها، وذلك ضد غلاء فواتير استهلاك الماء والكهرباء، بعدما فاجأت شركة “أمانديس” الفرنسية، المفوض لها تدبير هذا المرفق، سكان المدينة بأسعار فاتورة شهر غشت، اعتبروها “غير عادية ومبالغ فيها” مقارنة مع الفواتير السابقة.
ورفع سكان مدينة البوغاز شعارات تطالب برحيل شركة “أمانديس”، ودعوا السلطات المختصة  إلى التدخل لمعالجة هذا الإشكال، بعدما وجدوا أنفسهم عاجزين عن تسديد المبالغ، المحددة من قبل الشركة المذكورة، حيث أكد العديد من السكان على أن قيمة الاستهلاك المطلوب منهم دفعها للشركة تضاعفت ثلاث مرات،دون أن تعكس حجم استهلاكهم الحقيقي.
المحتجون على غلاء أسعار فواتير استهلاك الماء والكهرباء، كثفوا حملات الاحتجاجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأطلق العديد من النشطاء حملة «طنجة بدون أضواء»، عبر دعوة سكان المدينة إلى إطفاء الأضواء يوم 17 أكتوبر الماضي، احتجاجا على لهيب أسعار “أمانديس”، وهو ما استجاب له السكان على أوسع نطاق ..

احتجاجات المحرومين من التصويت في الانتخابات

ومن مسيرة النقابات العمالية،إلى احتجاجات المواطنين في مرحلة الانتخابات العامة الجماعية والجهوية، وبالضبط يوم الاقتراع، حيث تجمهر الآلاف  من المواطنين من شتى مدن المغرب وبالخصوص بمدينة فاس، وذلك بعد حرمانهم  من أداء واجبهم الوطني في التصويت ،بسبب التشطيب عليهم دون أي مبرر أو سابق إنذار،إذ لم يغير أغلبية المواطنين المحتجين مقرات سكناهم ولم يطرأ في حياتهم ما يبرر هذا التشطيب، فيما كان جواب المسؤولين على غالبية المحتجين،هو أنهم غير مسجلين،مما أجج غضب المواطنين الذين اعتبروا هذا الأمر هدرا لحقهم الدستوري المشروع، فيما شهدت بعض المداشر والمناطق النائية كذلك موجة من الاحتجاجات بعد أن أكد المواطنون بهذه المناطق أنهم يعيشون حالة من التهميش والإقصاء الاجتماعي.

احتجاجات أطباء الغد

ومن أزمة “أمانديس” والاحتجاجات التي رافقتها، إلى الأزمة التي خلقتها الحكومة، ضد أطباء الغد، حيث خرج الآلاف من طلبة الطب المغاربة في مسيرات حاشدة بالعاصمة الرباط وبجميع مدن المغرب، مرتدين الوزرات البيضاء، للاحتجاج على مسودة مشروع الخدمة الإجبارية الذي أصدرته وزارة الصحة، والقاضي بإلزام كل المتخرجين من كليات ومعاهد التمريض العمومية، العمل لمدة سنتين إجباريتين في المناطق النائية.
وشارك في المسيرات الحاشدة آلاف الطلبة الأطباء من كل كليات الطب المغربية، تحت شعار مركزي: “لا للخدمة الإجبارية.. نعم لخدمة المناطق النائية في إطار الوظيفة” وهو النظام الجاري به العمل ، وذلك بعدما أكد الطلبة أنهم لا يرفضون العمل في المناطق القروية والمساهمة في توفير العلاج لكل المغاربة، ولكنهم يرفضون أن يمر ذلك عبر عقد محدود،لا يضمن لهم عملا قارا بعد تخرجهم.وأكدو أنهم علاوة على مشكل  العقد المحدد في الخدمة الإلزامية،فإن هناك أزمة هيكلية على مستوى البنيات التحتية ومستلزمات العمل،ذلك أن غالبية مستشفيات المغرب تعاني من نقص حاد في التجهيزات، زيادة على الخصاص المهول في عدد الأطر الصحية،حيث يجد الطبيب نفسه لوحده في مركز صحي تابع لقرية تأوي الآلاف، فضلا عن هزالة المنحة الشهرية المخصصة لهم أثناء الدراسة، إذ لا تتجاوز 100 درهم في الشهر.

احتجاجات الأطباء المقيمين والداخليين

وفي نفس القطاع، قام الأطباء المقيمون والداخليون الذين يشتغلون بالمراكز الاستشفائية الخمس الكبرى بالمملكة بمجموعة من الاحتجاجات وبمسيرات وطنية واعتصامات وبإضراب عن العمل امتد ل 82 يوما،إلى جانب أشكال نضالية أخرى، تغليبا للصالح العام، ولمصلحة المرضى والمواطنين والوطن وسلمه الاجتماعي.
وأبرز الأطباء المقيمون والداخليون من خلال جميع خرجاتهم، أن الحكومة  أبانت عن عجز تدبيري كبير للأزمة، مكرسة من خلاله نيتها التخلي عن الصحة العمومية للمواطنين، حيث تعاملت مع إضراباهم الذي امتد لقرابة ثلاثة أشهر متتالية بطريقة تهدد الأمن الصحي للمواطنين.

مسيرات كبرى للأساتذة المتدربين

وبعد مسلسل احتجاجات الأطباء المقيمين والداخليين،قام عشرات الآلاف من الأساتذة المتدربين بتنظيم مسيرات كبرى  احتجاجا على مرسومين أصدرتهما وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، يقضي الأول بفصل التكوين عن التوظيف، ويقضي الثاني بتقليص المنحة المخصصة لهم أثناء التكوين.
الأساتذة الذين يقضون فترة تدريبية بالمراكز الجهوية للتربية والتكوين، رأوا في مرسومين أصدرتهما الوزارة، “ضربا لحقوقهم وإمعانا في الإجهاز على الوظيفة العمومية”، وقد قاموا بمقاطعة شاملة للدروس التطبيقية والنظرية، فضلا عن قيامهم بمسيرات جهوية، قبل أن يقرروا الخروج في في مسيرات وطنية.

المركزيات النقابية تنتفض ضد الحكومة

ومن قضية أطباء الغد إلى تعنت الحكومة، وامتناعها عن القيام بالحوار الجاد مع   الفرقاء الاجتماعيين،الأمر الذي أجج الوضع بينها وبين المركزيات النقابية الأربع الأكثر تمثيلية (الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والفيدرالية الديمقراطية للشغل)،هذه النقابات قامت بتنظيم مسيرة وطنية احتجاجية عمالية حاشدة، بمدينة الدار البيضاء، داعية من خلالها الحكومة للاستجابة لمجموعة من المطالب المشروعة  للطبقة العاملة بالمغرب، والتي من بينها الزيادة العامة في الأجور، ومعاشات التقاعد، وتخفيض الضغط الضريبي على الأجور، وتحسين الدخل، ورفع سقف الأجور المعفاة من الضريبة إلى 6000 درهم شهريا، وكذا احترام الحريات النقابية، وإلغاء الفصل 288 من القانون الجنائي.
كما طالبت النقابات في المسيرة التي شهدت احتجاج قرابة 200 ألف شخص، بسن مقاربة تشاركية لإصلاح منظومة التقاعد وتنفيذ ما تبقى من بنود اتفاق 26 أبريل 2011، فضلا عن التعويض عن المناطق النائية،وتوحيد الحد الأدنى للأجر بالقطاع الصناعي والخدماتي والقطاع الفلاحي والغابوي وتوابعهما، بالإضافة لوضع حد لنظام العمل المؤقت، وفرض القانون في شركات المناولة، ونهج سياسة تحفيزية للقطاع غير المهيكل، وتشغيل الشباب العاطلين، وإنشاء خلية وزارية لتنقية الأجواء الاجتماعية في الوحدات الإنتاجية والعمل على حلها.

تراجعات خطيرة في القطاعات الاجتماعية

وإذا كان البرنامج الحكومي،عبر عن التزامه الصريح بإعطاء الجانب الاجتماعي أولوية قصوى في السياسات العمومية، وتعهد بتطوير وتفعيل البرامج الاجتماعية، فإن المعطيات الميدانية تؤكد عكس ذلك،حيث سجلت سنة 2015،تراجعات خطيرة في القطاعات الاجتماعية وفي مقدمتها الصحة والتعليم، وعجزت الحكومة الحالية عن توفير الحماية لبعض الشرائح المجتمعية من التهميش المادي، بل وعلى العكس من ذلك ساهمت في تكريسه، بعد أن أضحى الأمل في الارتقاء الاجتماعي، مجرد وهم لدى الأغلبية الساحقة وخاصة في صفوف الشباب، الذين كانت انتظاراتهم كبيرة ،إذ رسمت توجهات الحكومة  خيبة الأمل لدى الجميع ،بعد أن فاجأت المواطنين ببرامج وقررات لا شعبية متنافية ومتعارضة مع المتطلبات المجتمعية.