كلمة الأخ الدكتور عبد الواحد الفاسي في الذكرى 72  لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال

2016.01.13 - 8:57 - أخر تحديث : الأربعاء 13 يناير 2016 - 9:20 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
 كلمة الأخ الدكتور عبد الواحد الفاسي في الذكرى 72  لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال

     حزب الاستقلال هو الوعاء الذي جمع واحتضن جميع الوطنيين والغيورين من أجل معركة الحرية والانعتاق

 الحضور إلى هذه المحطة ذات الدلالات  تأكيد استمرار دفاعنا عن حزبنا بمبادئه وشرعيته وتاريخه وعقيدته

 

تدخل الأخ الدكتور عبد الواحد الفاسي في الحفل الذي أقامه حزب الاستقلال بمناسبة الذكرى 72 لتقديم وثيقة الاستقلال،مساء يوم الاثنين 11 يناير 2016 بالرباط، وفيما يلي  النص الكامل للتدخل  :

بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم على رسوله النبي الأمين.

– الإخوة المجاهدون أعضاء مجلس الرئاسة، وأعضاء اللجان التنفيذية السابقون.

– الأخ الأمين العام.

– أخواتي، إخواني الأعزاء.

في هذه اللحظة المؤثرة، اسمحوا لي أن أقول أنه يصعب التعبير عن التأثر الكبير والعميق في نفسي، ونحن نلتقي برموز الحزب، وإخوة لنا بعد مدة طويلة من الغياب الاضطراري، تلك المدة التي كانت صعبة بالنسبة لي ولإخواني / خاصة، وأن مدرسة حزب الاستقلال ترعرعنا فيها صغارا، وقضينا فيها زهرة شبابنا كبقية المناضلات والمناضلين، وقدمنا ما استطعنا ونحن نسير نحو السن المتقدمة، وفاءا وإخلاصا لقيم حزب الاستقلال الرفيعة، ووفاء لقادتنا ورموزنا وفي مقدمتهم الزعيم علال الفاسي رحمه الله، هذه المدة أيتها الأخوات العزيزات، أيها الإخوة الأعزاء، رغم طولها إلا أن أهم ما كان فيها إيجابيا هو اختبار مناعة الحزب، وصلابته، هذا الحزب الذي سمي دائما الحزب الموحَّد.
إنني سعيد جدا أن يكون اللقاء المتجدد لحزبنا بمناسبة ذكرى 11 يناير 1944 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، وذكرى 11 يناير 1963 لتقديم وثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، بكل حمولات هذا الربط التاريخي بين مرحلتي الكفاح ضد الاستعمار، ومرحلة بناء الاستقلال، وبالتالي الوحدة الوطنية حول الاستقلال حزبا ومضمونا.إن الوقوف عند مضامين وثيقة الاستقلال أمر ضروري لاستخلاص عبر ودروس.فهذه الوثيقة البرنامج تضمنت أربعة محاور استراتيجية هي:

1 – الإعلان الرسمي عن ميلاد حزب الاستقلال، ومسؤوليته عن مضامين هذه الوثيقة التاريخية.

2 – تجديد البيعة لجلالة المغفور له محمد الخامس رحمه الله، وفيها إعلان واضح لإخلاص حزب الاستقلال للعرش.

3 – المطالبة ولأول مرة وبصفة علانية باستقلال المغرب.

4 – المطالبة بإقرار ديمقراطي لثقة الوطنيين آنذاك في النصر القريب.

أيتها الأخوات العزيزات، أيها الإخوة الأعزاء.

لقد شكلت هذه الوثيقة مرجعية أساسية للوحدة الوطنية، بل فرضتها حيث وضعت حدا فاصلا بين أبناء الشعب بالمعنى الشريف للكلمة، الساعين لخير الأمة والمستعدين لكل التضحيات من أجلها، ومن هم أذناب الاستعمار والخونة.
وكان حزب الاستقلال هو الوعاء الذي جمع واحتضن جميع الوطنيين والغيورين من أجل معركة الحرية والانعتاق، وبعد ذلك معركة البناء وانبعاث الأمة.فهل هناك أجدر من هذا الحدث لنحتفل جميعا بالوحدة المتجددة لبناء الوطن.

أخواتي العزيزات، إخواني الأعزاء.

إننا نثمن مضمون البيان العام للمجلس الوطني الذي قدم صورة لمفهوم النقد الذاتي داخل الحزب، كما نفتخر بموقف المجلس الوطني وبكل مكوناته، وبالقرار المنصف الذي أعادنا لموقعنا الطبيعي الذي ما كنا لنتركه ولو مجبرين، ونعتبر أن هذه المرحلة الدقيقة والمفصلية في حياة الحزب تلزمنا جميعا، ومعنا كل الغيورين على هذا الحزب الوطني الكبير، أن نكون مجندين، ومسلحين بالشجاعة لتصحيح مسارنا، والعبور إلى المرحلة المقبلة في أحسن الظروف، وأكثر قوة وصلابة ومناعة.

أيتها الأخوات  العزيزات، أيها الإخوة الأعزاء.

إن هدفنا كمناضلين مدافعين عن الثوابت، من الحضور إلى هذه المحطة ذات الدلالات، هو تأكيد استمرار دفاعنا  بأخلاق عالية ورفيعة عن حزبنا بمبادئه وشرعيته وتاريخه وعقيدته، وتضحيات نسائه ورجاله وشبابه ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وأن حرصنا على الإسهام في المجلس الوطني كأعلى هيئة تقريرية بعد المؤتمر العام ليس من باب التشريف، أو الوقوف عند حدود عودة الأشياء إلى مسارها العادي، ولكنه رغبة لبناء المستقبل كما يريده مناضلات ومناضوا الحزب الصادقون المتشبثون بقيم الحزب، وصيانة تاريخه المشرق، وإخراجه إلى الآفاق الرحبة الواسعة كحزب شكل على الدوام ضمير للأمة، قادر على رفع تحديات المستقبل، ليستمر كما كان دائما حزب المستقبل بامتياز.

أيتها الأخوات العزيزات، أيها الإخوة الأعزاء.

إن عودتنا للاشتغال في دواليب حزبنا ومؤسساته جاءت لتؤكد لمن يحتاج إلى تأكيد، وبعد صورة المشهد السياسي بعد 4 شتنبر، أننا لن نسمح بأن يصبح حزب الاستقلال مجرد رقم هامشي، في معادلة سياسية أريد لها أن تكون رديئة، ولنؤكد أننا سوف نقاوم بلا كلل، وبلا هوادة للدفاع عن ثوابت وقيم حزبنا، وعن تاريخه، وعم موقعه حاضرا ومستقبلا، بنفس روح الصمود الذي كان صمود المؤمنين الصابرين الثابتين لآبائنا، ومن تسلم مشعل الأمانة بعدهم من المجاهدين الأتقياء، والمناضلين الأصفياء، ولم نترك معاول الهدم أي كان شكلها تستهدف حزبنا جميعا المحصن الحصين حزب الاستقلال العظيم.

 أيتها الأخواتن العزيزات، أيها الإخوة الأعزاء.

إننا مسؤولون جميعا وإن بدرجات متفاوتة عن أخطاء الماضي، وملزمون اليوم باستخلاص الدروس والعبر لتصحيحها بجرأة، بالمواقف الثابتة والمنسجمة، والقرارات الحكيمة التي ينتظرها الشعب المغربي من حزب الاستقلال تحديدا، ومن ضمن الأخطاء تلك التي أدت إلى إبعاد أو ابتعاد عدد من مناضلاتنا ومناضلينا، لذا نعتبر المؤتمر العام السابع عشر المقبل محطة فاصلة في تاريخ الحزب، لينبعث منها من جديد متجددا، وكما عرفه الشعب المغربي، وكما يأمل المغاربة أن يكون، من خلال استثمار معقلن لرصيده الهائل من الموارد البشرية التي لايمكن أن تضيع بين ركام الصراعات الهامشية أو الكلام غير المفيد، هذه الكفاءات خاصة الشابة منها التي نطمح أن تشكل استمرارية لمذهبنا وعقيدتنا الاستقلالية التي تتطور مع الزمن دون أن تقد روحها وجوهرها، ولذلك أيتها الأخوات، أيها الإخوة نحن ملزمون بوحدة حقيقية لتحقيق نجاح مستحق، في ظل الوفاء والصدق والمصداقية في التزاماتنا سواء فيما بيننا كمناضلات وكمناضلين، أو مع عموم الشعب المغربي، وأيضا فرقاء السياسيين الذين نؤمن أنه تجمعنا معهم قواسم الحفاظ على ثوابت الأمة، واستقرارها من جهة، والمالكين لحرية واستقلالية القرار السياسي.

أيتنا الأخوات العزيزات، أيها الإخوة الأعزاء.

إننا نؤمن أننا إذا اتفقنا على خارطة طريق واضحة، فلا حق لأي كان منا بعد اليوم أن يتوقف أو يستريح لربح رهان الوصول إلى أهدافنا بصورة محكمة وناضجة، وأيضا لربح رهان الاستحقاقات المقبلة، هذه الرهانات التي تتطلب منا أيضا مصالحة شاملة لتكون الأبواب مفتوحة أمام كل من قام بنقد ذاتي، وتاب توبة نصوح، باعتبار حزب الاستقلال لم يفرط يوما في أبنائه، إلا من اختار طواعية نزع شرف وسام الاستقلالية.

أيتها الأخوات العزيزات، أيها الإخوة الأعزاء.

يجب علينا أن نستفيد من تاريخ شريعتنا الإسلامية السمحة، ونتذكر قول أبو بكر الصديق رحمه الله بعد وفاة الرسول عليه السلام.«من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت» ومعنى ذلك أن نقوي في صفوفنا روح الارتباط بالحزب ومبادئه وقيمه، فنتوحد من أجل الحزب، وليس من أجل أشخاص داخل الحزب، لأننا جميعا إلى زوال، ولا بقاء إلا للقيم والأفكار والثوابت، ولعل وصية الزعيم علال الفاسي رحمه اللّه التي قال فيها،

إن سواء ليس فينا واحد

                    إلا ويجدر أن يكون من الأول

وقوله:

ولسوف يكمل ما بدأت أحبتي

                   فهم الأمل لكل خير يعتمل

تعكس بوضوح قناعة انتقال المشعل من جيل إلى جيل بروح تكامل الأجيال، وبعيدا عن منطق صراع الأجيال، ولذلك فعامل التكوين والتربية داخل الحزب مسألة جوهرية لتهييء الخلف الناضج الذي يصون الثوابت والمبادئ الرفيعة لحزب الاستقلال بوضوح تام هذه الثوابت التي هو ما لخصه الزعيم علال الفاسي رحمه اللَّه في نهاية خطابه «لا هوادة» سنة 1963 حينما قال:«أما حزب الاستقلال فهو ثابت في موقفه، إنه يريد التطور للأمة في جميع الميادين… إننا نصرح، دون أن نخشى أحد، أننا مسلمون قبل كل شيء، مغاربة عربا، وأننا ملكيون وسنظل كذلك دائما».

أيتها الأخوات العزيزات، أيها الإخوة الأعزاء.

إن وطننا اليوم في حاجة إلى أحزاب سياسية قادرة على تدبير شؤون مواطنيه، والتصدي للأزمات الداخلية والإكراهات الخارجية، وطننا يحتاج إلى ائتلاف حكومي قوي ومتماسك يعمل إلى جانب جلالة الملك ومع جلالته، ائتلاف قوي بإرادة الشعب وإرادة الشعب وحدها، ومنسجم سياسيا وإيديولوجيا، وعلنيا فهم رسالة الشعب يوم 4 شتنبر التي تؤكد بحثه عن الوضوح التام في الرؤيا، وعن الملموس والواقعي، لذلك نحن مطالبون بالبحث عن فريق وازن، وذو فعالية ونجاعة، (وليس مهما أن يكون كبيرا في عدده، بقدر ما يكون كبيرا في عطائه وموقفه)، وهو ما يفرض حسن اختيار مرشحي الحزب من الصادقين، المتمتعين بالمصداقية والشعبية، ونظافة الذمة واليد، والنزاهة الفكرية والأخلاقية، الأوفياء لمطالب الشعب، والمدافعين عنها، والمقدرين للمصالح العليا للوطن، والأمانة الحفاظ على صورة حزب الاستقلال من أي عمل قد يخدشها.

أيتها الأخوات العزيزات، أيتها الإخوة الأعزاء.

اسمحوا لي إذا أطلت عليكم، وأختم كلمتي هاته بالتأكيد على أن الطريق أمامنا ليس سهلا، بل مليء بالمنعرجات، ومراقب، وعلينا الانتباه جيدا حتى لا ننزلق أو نؤدي ثمنا باهظا لمخالفة بإمكاننا تفاديها.

عاش حزب الاستقلال موحدا قويا.

عاش حزب الاستقلال ضميرا للأمة، وصمام الأمان.

ورحم الله جميع شهدائنا، ومناضلاتنا ومناضلينا الذين افتقدناهم طيلة هذه الفترة.