واقع البنيات العشوائية والدور الآيلة للسقوط  بالدار البيضاء  :  شبح الموت الذي يخيم على السكان 

2016.08.19 - 1:15 - أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 1:15 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
واقع البنيات العشوائية والدور الآيلة للسقوط  بالدار البيضاء  :  شبح الموت الذي يخيم على السكان 

 

مليون مواطن  مهدد بالموت تحت سقف أزيد من 43 ألف بناية سكنية

 

الدولة مطالبة بتوفير السكن اللائق وشروط العيش الكريم  للبيضاويين   

 

تعيش مدينة الدارالبيضاء مثلها مثل العديد من المدن والحواضر المغربية، حالة انفلات عمراني، تتحكم فيها ظاهرتان خطيرتان:تتمثل الظاهرة  الأولى  في استمرار البناء العشوائي والذي لا يحترم جميع الضوابط المعمول بها في مجال البناء، أما الظاهرة الثانية فتهم المشكل الهيكلي المتعلق بالدور الآيلة للسقوط، الذي يظهر أن حله مستبعد على الاقل في المستقبل القريب. وهو ما يعني توقع حصول المزيد من المآسي العمرانية.
لقد عاد شبح انهيار المباني السكنية ليهدد الآلاف من المواطنين، الذي يقطنون داخل مدينة الدار البيضاء في أحيائها الشعبية كما الراقية، حيث كان آخر هذه الحوادث انهيار عمارة سكنية من أربعة طوابق بحي سباتة، والتي خلفت أربعة قتلى وعشرات من المصابين، وقبلها بسنتين من الآن “فاجعة بوركون” التي انهارت على اثرها 3 عمارات مخلفة وراءها كابوسا داميا راح ضحيته 23 شخصا، وقبلها أيضا وبالتحديد سنة 2014 شهدت المدينة القديمة بالبيضاء، سلسلة من الانهيارات المتتالية والتي طالت عدة منازل مهترئة، أدخلت الرعب على نفوس ساكنيها.
 لا شك أن “فاجعة سباتة” جددت الحديث عن واقع البنيات العشوائية والدور الآيلة للسقوط ، والتي باتت تشكل بؤرا حقيقة للموت، مخلفة وراءها مآسي إنسانية تقض مضجع ساكنة العاصمة الاقتصادية للمملكة، وأسر مكلومة في ضياع فلذات أكبادها وذويها ومعيليها، وفي بعض الأحيان تدفن مثل هذه الفواجع معها حياة أسر بأكملها تحت الركام والأنقاض.
 موقع “استقلال.انفو” حاول رصد واقع بؤرة سوداء من بؤر الموت الإسمنتية، ومعاناة ساكنتها، وكذلك لطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام الضوابط القانونية في البناء ودور الدولة في إعادة تأهيل بعض المباني وخاصة الدور الآيلة للسقوط وتلك التي يتم بناؤها دون الخضوع للضوابط القانونية.

منازل المدينة القديمة.. مقابر الحياة جاهزة للانهيار

غير بعيد عن وسط مدينة الدار البيضاء بفنادقها الراقية و محلاتها التجارية الضخمة ومبانيها الشاهقة، توجد المدينة القديمة، حي ما إن تطأ قدماك أزقته، حتى تكشتف منطقة مترامية الأطراف بنايتها متهالكة كأن زلزالا ضربها منذ زمن مضى ، ومساكن أخرى أصبحت أطلالا وسط الأنقاض، نتيجة البناية المهملة و استفحال البناء العشوائي الذي ساد منذ أعوام في هذا الجزء المظلم من الدار البيضاء، في غفلة من عيون السلة التي لا تنام.
في هذه الرقعة من القلب الاقتصادي النابض للمملكة، يكثر هذا النوع من البنايات، فبمجرد توغلك داخل حي المدينة القديمة حتى تلاحظ تصدعات بارزة في أواصر المباني الهشة التي يقطنها عدد كبير من الأسر، وتشاهد في أعين السكان خوفا ينذر بوجود قنبلة موقوتة من الممكن أن تنفجر في أي لحظة، في هذا المكان الموحش على المرء أن يخطو خطواته بحذر، حيث أضحى انهيار مجموعة من المنازل التي عمرت لأزيد من قرن من الزمن مسألة وقت لا أكثر، تقول سعاد وهي الشابة ذات 18 ربيعا “ننام ونشك في أننا سنستفيق من جديد في اليوم الموالي وعندما نستفيق صباحا نحمد الله على نعمة الحياة التي وهبنا لعدة ساعات أخرى، ننام والخوف يتملكنا ونستفيق وأيدينا على قلوبنا، نحن نتوقع الأسوأ في أي لحظة”. مضيفة أن الدولة مطالبة بتوفير السكن اللائق وشروط العيش الكريم  للبيضاويين..
كثيرة هي الأسر التي هاجرت منازلها خوفا على حياتها بالمدينة القديمة، وانتقلت إلى فضاءات أخرى بحثا عن الأمن السكني، وهروبا من شبح الموت الذي بات يطاردها، وفي المقابل هناك أسر عجزت عن البحث عن مأوى جديد بسبب قصر يدهم، ولظروفهم المزرية التي تمنعهم من تبديل عتبة البيت المهدد بالسقوط فوق رؤوسهم، رغم إعلامهم بضرورة الإفراغ كي لا يصبحوا ضحايا الأجور والإسمنت و ينضافوا  لقائمة ضحايا الحوادث.
“الخطر يتهدد جميع قاطني المدينة القديمة، خاصة بعض الأحياء، من بينها سيدي فاتح والسويقة وزنقة التناكر وجامع الشلوح والملاح وبوسبير وبوطويل ودرب المعيزي ودرب الطاليان…” هكذا يحكي خالد الطالب الجامعي، عن الواقع المرير، الذي يعيشه رفقة باقي سكان المنطقة، مطالبا الحكومة بحل شمولي وجذري من أجل تخليصهم من كابوس الانهيارات المتوالية التي تواصل حصد أرواح السكان في الانهيارات المفاجئة.
لا يمكن الحديث عن المدينة القديمة، بدون ذكر مشروع المحج الملكي، والذي يعني الكثير من سكان المنطقة، التي دائما ما تنظم مجموعة من الوقفات الاحتجاجية ضد شركة “صوناداك” المكلفة بإنجاز المشروع، حيث عبر العديد من سكان المدينة القديمة في حديثهم مع موقع “استقلال.انفو”، عن عدم قدرتهم على أداء مبلغ 200 ألف درهم، مقابل حصولهم على سكن لائق ومغادرة أشباه البيوت التي يقطنوها.. السكان  يعشيون وسط الخوف وقلة ذات اليد والغضب من المسؤولين الذين يمارسون مختلف مظاهر التسويف والمماطلة ، ويعطلون مسطرة الترحيل والتعويض وتسوية الوضع حسب شهادات المتضررين، وهم في أكواخهم المتهالكة ومساكنهم المتهدمة كقنابل موقوتة، تشيع بين الفينة والأخرى جنائز لأجساد ذنبها الوحيد أن الجدار انهار، وكان أقوى من مقاومة ثقل أجسامهم.

700

 مهددون  بالموت تحت سقف منازلهم..

تقدر إحصائيات رسمية، أن عدد المباني المهددة بالانهيار في المغرب بأزيد من 43 ألف منزل يقطنها حوالي مليون مواطن، منها 23 ألف منزل في الأحياء السكنية غير اللائقة، خاصة تلك التي لم تحترم الضوابط والإجراءات القانونية في البناء، كما أن تنامي ظاهرة المباني الآيلة للسقوط وتزايد القتلى والمصابين والمتضررين، عجل بالقيام بمراجعة جذرية للمقاربة القانونية المعمول بها حاليا، والتي انتهت بإصدار قانون خاص بالمباني الآيلة للسقوط، يعالج عمليات التجديد الحضري وينظم مجالاتها، ويقر إحداث وكالة متخصصة لهذا الغرض.
ويرى رشيد الأندلسي، المهندس المعماري، ورئيس جمعية “كازا ميموار” في تصريح لموقع “استقلال.انفو”، أن مشكل المنازل الآيلة للسقوط في الدار البيضاء يرتبط في جوهره بعوامل تقادم البنايات، خاصة في المدينة العتيقة وأحياء مثل درب السلطان، وهي مناطق تم تشييدها قبيل دخول الحماية الفرنسية، أي منذ أكثر من قرن من الزمان، معتبرا أن المخططات والإجراءات التي اتخذتها الدولة لإعادة تأهيل المساكن والمباني السكنية وترميمها قد فشلت في تحقيق النتائج المتوخاة منها، حيث اكتفى المسؤولون بصباغة الدور السكنية وتشييد جدار إسمنتي عازل لا أقل ولا أكثر.
كما يدعو عبد الله علالي رئيس الشبكة المغربية من أجل السكن اللائق، السلطات المحلية المختصة إلى تشديد الرقابة على عمليات البناء، لتفادي سقوط ضحايا جدد في حوادث انهيار مباني سكنية، مطالبا مسؤولي البلديات والوكالات الحضرية بضرورة الحد والقضاء على ظاهرة البنايات الآيلة للسقوط التي تخلف عدد كبيرا من الضحايا.
ويشدد علالي، من خلال تصريح ل”استقلال.انفو” على ضرورة إخبار الجماعات المحلية والوكالات الحضرية لمصالحها المختصة لمراقبة البنايات قبل أي شروع في الإصلاح أو ترميم البنايات، موضحا أن ظاهرة الانهيارات لا تقتصر  على الدور الآيلة للسقوط، بل أصبحت تمتد إلى بعض الأوراش الكبرى التي يقف من ورائها منعشون عقاريون محترفون كما حصل في القنيطرة وأكادير.

900

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.