كلمة الأستاذ عباس الفاسي في الذكرى الأربعينية للراحل امحمد بوستة

2017.04.01 - 6:52 - أخر تحديث : السبت 1 أبريل 2017 - 11:16 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
كلمة الأستاذ عباس الفاسي في الذكرى الأربعينية للراحل امحمد بوستة

 

الفقيد كان محاميا نزيها لا يقبل الترافع إلا  في القضايا التي تتماشى مع مبادئه وقناعاته

 

تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس، نظم حزب الاستقلال وأسرة المرحوم المجاهد امحمد بوستة، مهرجانا خطابيا بمناسبة الذكرى الأربعينية للفقيد، يوم الجمعة 31 مارس 2017 بمسرح محمد الخامس بالرباط. وبعد  تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، وتلاوة سورة الفاتحة على روح فقيد الوطنية المجاهد امحمد بوستة، تناوب على منصة الخطابة عدة متدخلين، ومنهم الأخ عباس الفاسي الأمين العام السابق لحزب الاستقلال ، في ما يلي النص الكامل لكلمته:

 بســــــــــم الله الرحمـــــــــــان الرحيــــــــــــم

السيد  مستشار صاحب الجلالة نصره الله

أسرة فقيد الوطنية المجاهد الأستاذ امحمد بوستة

الأخوان عضوي مجلس الرئاسة الأستاذان عبد الكريم غلاب و امحمد الدويري

السادة الأمناء العامون للأحزاب الوطنية

الأخوات المناضلات الإخوة المناضلين

الحضور الكريم،

يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية  فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي” صدق الله العظيم.

أود بداية أن أشكر عائلة أستاذي وأخي الأستاذ امحمد بوستة التي شرفتني بهذه الدعوة لحضور الذكرى الأربعينية لفقيد الوطنية والوطن، وتقديم شهادة في حق مناضل فذ ووطني ملتزم من طينة المرحوم الأستاذ امحمد بوستة، وما كنت أظنني سأقف هذا الموقف القاسي للحديث عنه بصيغة الماضي.

الحضور الكريم،

لا يتسع المقام للإحاطة بكل الجوانب المضيئة في سيرة الفقيد، لأنها أكبر بكثير من أن تختزل في دقائق أو في ساعات.

ولكن سأكتفي بالإشارة الى بعض الشدرات من حياة هذا المناضل الفذ الحافلة بالموقف المبدئية.

فبالنسبة للجانب الإنساني، كان رحمه الله شديد التواضع، يحترم الكل،  ويهتم بصفة خاصة بالمحتاجين، وينكب على حل مشاكلهم، وكان مصدر ثقة الجميع، وفيا بالعهود؛ مستمعا جيدا وهادئا، لا يقاطع أحدا ولا يطلب من المحاور أو المتدخل الاختصار، وكذلك كان طيلة مرافقتي له. 

كما كان رجلا اجتماعيا بامتياز يتمتع ببساطة عيش أهل مراكش وحسن معشرهم.

وبالنسبة للجانب السياسي، فالفقيد كما هو معلوم قد انخرط في ريعان شبابه في صفوف حزب الاستقلال بمدينة مراكش على يد مولاي أحمد المنجرة والمرحوم عبد القادر حسن وغيرهم من رواد الحركة الوطنية.

وخلال متابعة دراسته الجامعية بباريس، كان ممثلا لحزب الاستقلال بفرنسا وفي اتصال دائم مع الطلبة المغاربة و المغاربيين و مع الجالية المغربية هناك.

وبعد تصاعد وثيرة مقاومة المستعمر الفرنسي وانخراط السي امحمد في هذه المعركة التجأت السلطات الفرنسية الى فتح باب المفاوضات مع ممثلي الحركة الوطنية أساسا بمدينة اكس ليبان.

وقد  شارك الفقيد رفقة صديقه الأخ امحمد الدويري الى جانب الوفد الرسمي لحزب الاستقلال المكون من الحاج عمر بنعبد الجليل ومحمد اليازيدي والمهدي بنبركة، وعبد الرحيم بوعبيد رحمهم الله في هذه المفاوضات، وعلى هامشها أنعقد اجتماع ضم المرحوم امحمد بوستة والمرحوم عبد الرحيم بوعبيد من جهة و رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك السيد ادغار فور من جهة اخرى. وخلال هذا الاجتماع الذي أنعقد ببيت رئيس الحكومة بباريس. أوضح الاستقلاليان لمخاطبهما أن استقلال المغرب ورجوع المغفور له محمد الخامس الى عرشه غير قابلين للتفاوض.

وبعد الاستقلال وتعيين الحاج احمد بلافريج وزيرا للخارجية تم تعيين الأستاذ امحمد بوستة الى جانبه كاتبا للدولة في الخارجية سنة 1956 وقد ساهما معا في وضع أسس الدبلوماسية المغربية وهيكلة الوزارة ، وتحضير طلب انضمام المغرب للمنظمات الدولية والإقليمية.

ثم بعد ذلك تقلد عدة مناصب وزارية هي وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري ثم وزارة العدل فوزارة الخارجية.

وتجدر الإشارة الى أنه قد ترك بصمته واضحة في جميع الوزارات التي تحمل مسؤوليتها رحمه الله ، ففي وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري ما بين سنتي 1960 و1961 قام بمجهود جبار لتعريب الإدارة المغربية، بل انه نظم دروس ليليلة لتقوية اللغة العربية للموظفين، كما كان رحمه الله أول من سن خطة لتبسيط المساطر الإدارية ومحاربة البيروقراطية.

كما لا أنسى الإشارة الى أنه أثناء تحمله مسؤولية وزارة العدل مابين سنتي        1961 و1963، فقد عمل على إدماج جميع خريجي كلية الحقوق القسم العربي بسلك القضاء، وذلك تمهيدا لمغربة القضاء وتعريبه.

وقد استمر في هذا المجهود لتعريب القضاء حتى بعد تركه لوزارة العدل وذلك بمساهمته مع الفريق النيابي للحزب في تحضير مشروع مقترح قانون المغربة والتوحيد والتعريب سنة 1965، وهو المقترح الذي حضي بتأييد أغلبية النواب.

كما لا يفوتني ان أعرج على مسار الأستاذ امحمد بوستة في خدمة الشأن المحلي، ذلك أنه ترشح لأول انتخابات جماعية لسنة 1960، وأصبح أول رئيس لبلدية مراكش، كما أنه سهر على تأسيس جمعية المستشارين الجماعيين لحزب الاستقلال وانتخب رئيسا لها.

وبالنسبة لمساره الحزبي فقد تحمل مسؤولية قيادة حزب الاستقلال لمدة 24 سنة منذ وفاة زعيم التحرير المرحوم علال الفاسي سنة 1974، والى غاية سنة 1998.

ويشهد الله أنه ظل خلال فترة قيادته للحزب محافظا على وحدة الحزب ومبادئه ومصداقيته، ساهرا على احترام الديموقراطية الداخلية، جامعا بين هذه المسؤولية ومسؤولية عضويته في الكتلة الديموقراطية التي أفضت الى حكومة التناوب بقيادة الأخ عبد الرحمان اليوسفي. وذلك بعد أن أعتذر الفقيد سنة 1993 عن تشكيل الحكومة لوجود اسم ضمن مكوناتها أقترن ذكره بتزوير الانتخابات واستهداف الحزب بصفة خاصة حيث وضع في الرتبة السادسة في الانتخابات التشريعية .

وتجدر الاشارة الى ان الفقيد كان مع مشاركة حزب الاستقلال الى جانب أحزاب الكتلة الديموقراطية في كل من حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي وحكومة الأستاذ ادريس جطو والحكومة التي كلفني صاحب الجلالة بتشكيلها. وكان يعتبر أن هذه المشاركة أملاها الدفاع عن القضية الوطنية ودعم المسار الديموقراطي في البلاد والدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ظل الإسلام الوسطي والملكية الدستورية.

الحضور الكريم،

هذا بخصوص الجانب السياسي في حياة المرحوم الأستاذ امحمد بوستة باختصار شديد

أما بخصوص الجانب المهني فقد التحق رحمه الله بمهنة المحاماة بمدينة الدار البيضاء سنة 1953، وخلال سنة 1963 وبعد انتهاء مهامه الحكومية نقل تسجيله الى مدينة الرباط، حيث انتخب نقيبا بالإجماع لهيئتها لفترتين متتاليتين ما بين  1965 و 1969 كما ان مكتبه للمحاماة في مدينة الرباط يعد من اعرق المكاتب .

 هذا المكتب الذي قضيت فيه فترة تمريني على يد المرحوم ومارست فيه مهنتي، وانتخبت فيه نقيبا للهيئة بعد ذلك.

الحضور الكريم،

لا يتسع المقام للإحاطة بكل جوانب شخصية الأستاذ امحمد بوستة النقيب والمحامي والمدافع الصلب عن استقلال القضاء، ولكن يكفي الإشارة الى أنه قد كان مؤازرا لجميع المناضلين خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي بدأ بالمحاكمات العسكرية لكل من عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازيدي و بوبكر القادري والحاج عمر بنعبد الجليل و الفقي الغازي وقاسم الزهيري رحمهم الله جميعا، وصولا الى محاكمات الصحافيين الأستاذ عبد الكريم غلاب أطال الله عمره والأستاذ محمد برادة مدير جريدة الرأي والمرحوم ادريس الفلاح مدير جريدة الأمة الإفريقية، والمرحوم عبد الجبار السحيمي والمرحوم المحجوب بن الصديق.

ويشهد الجميع أن الفقيد كان محاميا نزيها لا يقبل الترافع إلا  في القضايا التي تتماشى مع مبادئه وقناعاته وأذكر أنه خلال محاكمة مسؤولين كبار في الدولة من اجل جرائم مالية سنة 1971، رفض مؤازرة أحد المتابعين.

وعلى سبيل الدعابة المراكشية أذكر أن الأستاذ امحمد بوستة بصفته نقيبا للهيئة وبمناسبة تحديد أتعاب أحد المحامين، سأل هذا المحامي الذي اقتطع نسبة 70% من تعويض إحدى الأرامل هل أنت محامي الأرملة أو أنت هو الأرملة؟

الحضور الكريم،

تتويجا لهذا المسار السياسي والمهني الحافل بالعطاء فقد كلفه صاحب الجلالة بتاريخ

22 يناير2003 برئاسة اللجنة الملكية الاستشارية لمراجعة مدونة الأسرة والتي أنهت أشغالها وقدمت مشروعها النهائي لجلالة الملك خلال شتنبر من نفس السنة، وقد هنأ جلالته في حينه أعضاء اللجنة وعلى رأسهم الفقيد على الجهد المبذول لإخراج هذه المدونة التي أعتُبِرت ثورة حقيقية في تاريخ قوانين الأحوال الشخصية في المغرب، اذ كرست حقوق المرأة وبوأتها المكانة التي تستحق.

الحضور الكريم،

هذا غيظ من فيض من السيرة العطرة للمرحوم الأستاذ امحمد بوستة الذي رحل عن هذا العالم الفاني ليلة جمعة هانئا مطمئنا بعد أن أدى رسالته تجاه خالقه ووطنه وملكه، فاللهم تغمده برحمتك الواسعة وأسكنه فسيح جناتك.

” وإنا لله وإنا إليه راجعون”.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.