تدخل الأخ نورالدين مضيان رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب في مناقشة البرنامج الحكومي

2017.04.25 - 12:08 - أخر تحديث : الثلاثاء 25 أبريل 2017 - 12:11 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
تدخل الأخ نورالدين مضيان رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب في مناقشة البرنامج الحكومي

غياب رؤية استراتيجية مؤطرة للنموذج التنموي الذي تعتزم الحكومة المقبلة تنزيله

 

البرنامج الحكومي لم يتعامل بما تفرضه الظرفية من تحركات وإجراءات استباقية بخصوص مستجدات القضية الوطنية الأولى 

 

برنامج يفتقد للأرقام المعبرة عن الإرادة السياسية في التنفيذ ويطغى عليه المنظور القطاعي 

 

غياب أي استراتيجية تنموية محلية تستجيب لحاجيات ومتطلبات ساكنة إقليم الحسيمة ومختلف مناطق الاحتجاجات الاجتماعية 

 

إغفال جوانب مهمة لدعم النمو والتشغيل وغيرها من الإجراءات اللازمة للنهوض بالاقتصاد الوطني 

 

حزب الاستقلال متمسك  بخيوط الأمل في الإصلاح والتغيير وبناء الصرح الديمقراطي وإقرار التعادلية الاقتصادية والاجتماعية

 

في إطار مناقشة البرنامج الحكومي تناول الأخ نورالدين مضيان رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، خلال الجلسة العمومية المنعقدة يوم الاثنين 24 أبريل 2017 ، مبرزا أنه بل يمكن مناقشة  هذا البرنامج الحكومي، دون استحضارالسياق السياسي العام، بأبعاده الدستورية والديمقراطية والمؤسساتية، الذي عرفه مخاض تشكيل هذه الحكومة، والكيفية التي تم بها تدبير مسلسل تشكيلها.وقدم الأخ مضيان مجموعة من التساؤلات حول طبيعة هذا البرنامج وتوجهاته العامة ومدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المغاربة، مستعرضا بعض المؤشرات و الملاحظات  التي تؤكد عدم التوفر على رؤية استراتيجية مؤطرة للنموذج التنموي الذي تعتزم الحكومة المقبلة تنزيله، لتحقيق انتقال بلدنا من بلد نام إلى بلد صاعد، وفق مؤشرات محددة ومضبوطة ومتعارف عليها دوليا، للأسف لا يتوفر عليها البرنامج المعروض على أنظارنا اليوم. في ما يلي النص الكامل لتدخل ئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب:

“الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على أشرف الرسل الكرام”

السيد الرئيس؛

السيد رئيس الحكومة؛

السيدات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة النواب؛

يسعدني أن أتدخل، باسم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية في مناقشة مضامين البرنامج الحكومي، الذي قدمه السيد رئيس الحكومة المعين في مختلف المجالات، السياسية منها، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والخارجية، والبيئية، طبقا لأحكام الفصل 88 من الدستور.

السيد الرئيس؛

لا يمكن أن نناقش هذا البرنامج الحكومي، دون أن نستحضر السياق السياسي العام، بأبعاده الدستورية والديمقراطية والمؤسساتية، الذي عرفه مخاض تشكيل هذه الحكومة، والكيفية التي تم بها تدبير مسلسل تشكيلها، وماهية هذه الحكومة التي ضربت الرقم القياسي في المدة الزمنية التي استغرق تكوينها، ومدى استجابتها للمعايير التي حددها جلالة الملك نصره الله، في خطاب دكار بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء.

السيد الرئيس؛

هل كان لا بد من انتظار ستة أشهر لتشكيل الحكومة، في الوقت الذي حرص فيه جلالة الملك، على إعمال المنهجية الديمقراطية باحترام الفصل 47 من الدستور، عندما عين جلالته الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي تصدر الانتخابات الخاصة بأعضاء مجلس النواب، رئيسا للحكومة ثلاثة أيام على إعلان النتائج؟ ذلك، أنه إذا كان التأخر في تشكيل الحكومات في المغرب ليس وليد اليوم، عندما استغرقت مدة إخراج نسخة حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 أكثر من ثلاثة أشهر، فإن المغاربة تفهموا جيدا أسباب هذا التأخر الذي يعود إلى حرص الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الوزير الأول المعين على ضرورة مشاركة حزب الاستقلال، بعدما رفض هذا الأخير في نونبر 1997 المشاركة في حكومة انبثقت من انتخابات طرحت أكثر من تساؤل؟ و اكتوى بنارها في المقام الأول حزب الاستقلال، دون أن يأخذ مشكل تشكيل الحكومات المتوالية طابع التأزم السياسي والنقاش العمومي إلى درجة التيئيس والنفور من العمل السياسي، وذلك بعدما تجاوز مسلسل تشكيل حكومة الأستاذ عبد الإله بنكيران الحيز الزمني المقبول، وتم الدخول في وضعية مطبوعة بالأزمة السياسية بأبعادها الدستورية، خاصة عندما بدأ البحث عن مخرج دستوري لتجاوز الوضعية المتأزمة التي أريد لها أن تعرف توترا غير مسبوق، وتحالفات غير منطقية.

السيد الرئيس؛

إذا كان تشكيل الحكومة لا يعتبر غاية في حد ذاته، بقدر ما هو وسيلة لتدبير السياسات العمومية وتسيير الشأن العام، فإننا نتساءل:

  • إلى أي مدى تستجيب الحكومة الجديدة للتوجهات الملكية الواردة في خطاب دكار بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء؟ سواء من حيث هيكلة فعالة ومنسجمة؟ واختصاصات قطاعية مضبوطة؟ ذلك أنه رغم اعتماد منظور الأقطاب في هذه التشكيلة الحكومية، فالملاحظ وجود تداخل على مستوى الاختصاصات بين القطاعات الوزارية، خاصة فيما يتعلق بمندوبيات تدبر قطاعات استراتيجية، كان من المفروض أن تلحق بالقطاعات الوزارية المعنية، بما يضمن ربط المسؤولية بالمحاسبة، بالإضافة إلى تغييب البعد الاجتماعي الذي يفتقد إلى قطب واضح محدد المعالم والأهداف والتوجهات؛
  • إلى أي حد تستجيب الحكومة للتوجهات الملكية عندما اعتبر جلالة الملك أن المغرب يحتاج إلى حكومة جادة ومسؤولة، وبالتالي لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية تتعلق بإرضاء رغبات سياسية وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية؟
  • إلى أي مدى تعكس الحكومة الحالية الإرادة الشعبية المعبر عنها بواسطة صناديق الاقتراع ليوم 07 أكتوبر بما يضمن إعطاء التمثيل الديمقراطي مدلوله الحقيقي، ويقطع مع سياسة التحكم والهيمنة على حساب المؤسسات المنتخبة؟
  • هل الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة نفسها راضية عن هذه المشاركة عندما نلاحظ التصدعات وتفشي عدوى الغضب من الاستوزار، دون أن نسمع أي خلاف بين قيادات هذه الأحزاب حول برنامج الحكومة وأولوياته، وكيفية إخراج البلد من الوضعية الاقتصادية والاجتماعية الصعبة؟

السيد الرئيس؛

كنا في حزب الاستقلال نأمل  أن تشكل الانتخابات التشريعية الأخيرة مدخلا رئيسيا لتقوية المشهد السياسي، بعيدا عن أي هيمنة من شأنها إضعاف الأحزاب السياسية وتقزيمها، وتشتيت المشهد السياسي، خاصة عندما صدرت تصريحات خولت لنفسها حق استعمال “الفيتو” ضد إشراك حزب الاستقلال في الحكومة، حزب الاستقلال الذي قاد الحركة الوطنية ضد الاستعمار، حزب الاستقلال الذي ربط بين استقلال البلاد وعودة محمد الخامس والأسرة الملكية من المنفى، حزب الاستقلال الذي حرص على الدوام أن يتمسك بثوابت الأمة ووحدتها الوطنية،حزب الاستقلال الذي يؤمن بأهمية التعددية الحزبية في تطوير المسار الديمقراطي، وينأى بنفسه عن التدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب.

السيد الرئيس؛

  • كم عدد الاحتجاجات التي عرفتها البلاد، وكلها ذات طبيعة اجتماعية تهم الحق في التطبيب والعلاج، الحق في التعليم ، الحق في السكن اللائق، الحق في المحاكمة العادلة، الحق في الشغل، الحق في الكرامة ضد الحكرة وغيرها من الحقوق الاجتماعية الأساسية؟

فهل استطاع البرنامج الحكومي التجاوب مع الحراك الاجتماعي في بعض المناطق، والاحتجاجات التي لا تزداد مظاهرها إلا ارتفاعا ؟ وعلى سبيل المثال إقليم الحسيمة وذلك في غياب أي استراتيجية تنموية محلية تستجيب لحاجيات ومتطلبات ساكنة إقليم الحسيمة.

  • إلى أي حد يستجيب هذا البرنامج الحكومي لمتطلبات المرحلة ومواجهة تحديات التحولات المجتمعية الوطنية والإقليمية والدولية ورهاناتها؟ عندما اعتبر جلالة الملك في خطاب دكار أن المغاربة ينتظرون من الحكومة أن تكون في مستوى اللحظة الوطنية الحاسمة، ببرنامج واضح وأولويات محددة للقضايا الداخلية والخارجية، وعلى رأسها إفريقيا، حكومة قادرة على تجاوز الصعوبات التي خلفتها السنوات الماضية فيما يخص الوفاء بالتزامات المغرب مع شركائه؟
  • إلى أي حد يعكس هذا البرنامج الحكومي تطلعات وانتظارات المواطنين ويجيب عن التحديات المطروحة، والرهانات المطلوب ربحها خلال الخمس سنوات المقبلة خاصة في مجالات: التعليم، الصحة، التشغيل، إصلاح الإدارة، استكمال منظومة العدالة، تحسين القدرة الشرائية للمواطنين…، وغيرها من القضايا الكبرى التي لم تعد معالجتها تقبل أي تأخير؛

السيد الرئيس:

لقد شكلت الوثيقة الدستورية الجديدة تحولا مهما في البناء الثقافي المغربي وتعزيز مبادئ الهوية الوطنية، والارتقاء بها إلى منظومة متكاملة، حتى تكون بالفعل دعامة أساسية، لترسيخ قدسية الثوابت التي أجمع عليها المغاربة، وذلك بالتنصيص صراحة على أن المملكة المغربية دولة إسلامية، ذات سيادة كاملة متشبتة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هوياتها الوطنية الموحدة، بانصهار كل مكوناتها العربية- الإسلامية والأمازيغية والصحراوية-الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، بالتنصيص على جعل الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها.

ولكننا لم نلمس هذه التوجهات والاختيارات الدستورية في البرنامج الحكومي، في غياب التدابير الإجرائية الكفيلة يتحصينه من مظاهر الغزو الفكري، الذي أصبح يشكل خطرا حقيقيا، مادام التمسك بهذه القيم يبقى الدعامة الأساسية لقوة البلاد ووحدتها الوطنية واستقرارها، و مواجهة مخاطر العولمة ومظاهر الاستيلاب الفكري، الذي فرضته متطلبات انفتاح المغرب على محيطه الخارجي.

وفي هذا السياق، فإن اطلاق سياسة لغوية مندمجة لا تنفصل عن تنزيل المقتضيات الدستورية التي تنص على حماية اللغة العربية وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية (مع ما يتطلبه ذلك من إعادة النظر في مشروع القانون التنظيمي المحال على لمجلس النواب، والذي يجب أن يتم إعداده بطريقة تشاركية مع الفاعلين السياسيين والمؤسسات والهيئات الفاعلة في هذا المجال) تبقى السبيل لتعزيز مبادئ الهوية الوطنية.

السيد الرئيس:

إن الظرفية الحالية تتميز بالانتظارات التي تعرفها قضية الوحدة الترابية، بعد تعيين أمين عام جديد للأمم المتحدة، وتعيين مبعوث شخصي جديد للامين العام للصحراء المغربية، وعودة المغرب للأسرة الافريقية وما تفرضه من تحديات لاستثمار هذه العودة لصالح القضية الوطنية، بما فيها تقوية الحضور الدبلوماسي الوازن، بعدما وجه التقرير السنوي للأمين العام حول ملف الصحراء صفعة قوية لخصوم الوحدة الترابية، تحمل في طياتها رسائل واضحة لمن يعنيهم الأمر، عندما دعاهم إلى الانسحاب الفوري من الكركرات، مقابل الإشادة بالموقف المغربي، وأن المغرب ثابت على مواقفه، وأنه لا يخضع للاستفزازات العسكرية الجزائرية، إيمانا منه بأن المنطقة لا تحتمل التصعيد، لما فيه خدمة الأمن والسلم الدوليين. ولكن البرنامج الحكومي، السيد رئيس الحكومة، لم يتعامل مع هذه المستجدات، بما تفرضه الظرفية من تحركات وإجراءات استباقية. كما أن البرنامج لم يتطرق إلى المدينتين السليبتين سبتة ومليلية والجزر الجعفرية التابعة لهما، والأراضي الشرقية باعتبارها مناطق محتلة.

السيد الرئيس:

إننا نعتبر أن ترسيخ دولة الحق والقانون وتكريس حقوق الإنسان، بأبعادها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، يمر حتما عبر صون كرامة المواطن، وتعزيز مبدأ الإنصاف والمساواة في مختلف مجالات الحياة العامة. وإذا كانت بلادنا قد خطت خطوات مهمة في مجال حماية الحريات وحقوق الإنسان، فإننا نتساءل عما إذا كان البرنامج الحكومي حمل تدابير عملية للإجابة عن الصورة القاتمة التي قدمتها بعض التقارير عن أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب، عندما اعتبرت أن السلطات المغربية تفرض قيودا على ممارسة الحق في حرية التعبير والتجمع وتأسيس الجمعيات،واللجوء إلى استخدام القوة المفرطة أحيانا لفض الاحتجاجات والمظاهرات، بما في ذلك الملاحقة القضائية للصحافيين.

السيد الرئيس:

إن استكمال إصلاح منظومة العدالة ببلادنا يعتبر مدخلا أساسيا لبناء دولة الحق والقانون، وإقرار العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحقوقية، فكيف تعامل البرنامج الحكومي مع هذه الدعامة الأساسية لبناء الصرح الديمقراطي الحقيقي، من حيث إيجاد تدابير بديلة لتحسين الوساطة القضائية، وتخليق الإدارة القضائية، وضمان شروط النزاهة، والمساواة وتكافؤ الفرص بين المتقاضين، وتبسيط المساطر الإدارية والإجراءات القضائية، وتسريع وتيرة تنفيذ الأحكام القضائية، وآجال البت في القضايا وغيرها، حتى يكون استقلال السلطة القضائية واقعا يلمسه المتقاضون.

السيد الرئيس:

 يعتبر أمن المواطنين وحماية ممتلكاتهم من مختلف مظاهر الجريمة والتطرف، إحدى الأولويات التي كان من المفروض أن تتبوأ  مضامين البرنامج الحكومي، بالنظر للوضعية الأمنية الصعبة التي أصبح يعيشها العالم،  إننا في الفريق الاستقلالي إذ نشيد عاليا بالروح الوطنية والمهنية، وروح التفاني والتضحية التي ما فتئت تقدمها السلطات العمومية وقوات الأمن، من أجل الحفاظ على أمن واستقرار وسلامة المواطنين، في إطار الإستراتيجية الاستباقية التي تنهجها، فإننا نلاحظ أن البرنامج الحكومي يخلو من التدابير الكفيلة لمواجهة الجريمة بشتى أنواعها باعتماد رؤية شاملة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية والتربوية والدينية، وعدم الاقتصار على المقاربة الأمنية، بما يضمن استئصال منابع التطرف بعدما أخذت هذه الظاهرة بعدا دوليا.

السيد الرئيس:

كنا نأمل أن يأتي البرنامج الحكومي بتدابير إجرائية كفيلة بتفعيل أحكام الدستور فيما يتعلق بالجهوية المتقدمة والحكامة الترابية، بما يضمن تعزيز الديمقراطية المحلية، من حيث ضمان التدبير الحر للجماعات الترابية في ممارسة اختصاصاتها، ومساهمتها الفعلية في تدبير الشأن المحلي والإقليمي والجهوي، بعيدا عن تغول سلطة الوصاية، مع ما يتطلبه الأمر من إخراج النصوص التطبيقية إلى حيز الوجود، حتى تتمكن الجماعات الترابية من ممارسة مهامها على الوجه المطلوب.

السيد الرئيس:

يعتبر إصلاح الإدارة من الأوراش الكبرى التي علق عليها المغاربة آمالا كبيرة، حتى تكون في خدمة الحياة اليومية للمواطنين، في خدمة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، كما عبر عن ذلك جلالة الملك في خطابه بمناسبة افتتاح دورة أكتوبر من السنة التشريعية الحالية، فإلى أي مدى تمكن البرنامج الحكومي من معالجة الاختلالات التي تعرفها الإدارة المغربية في علاقتها مع المرتفقين؟  خاصة من حيث التدابير الكفيلة بتعزيز قيم النزاهة وترسيخ الحكامة الجيدة.كما نلاحظ أن البرنامج الحكومي غيب الإجراءات اللازمة لتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد بمختلف أشكاله، بما في ذلك اقتصاد الريع والامتيازات، وغيرها من مظاهر الفساد المالي، بما يقتضي تعزيز آليات التفتيش والمراقبة بالإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية وتقييم أدائها، في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

السيد الرئيس:

لقد تطرق البرنامج الحكومي الذي تقدمتم به أمام مجلسنا الموقر إلى الجانب الاقتصادي، في غياب رؤية استراتيجية مؤطرة للنموذج التنموي الذي تعتزم الحكومة المقبلة تنزيله، لتحقيق انتقال بلدنا من بلد نام إلى بلد صاعد، وفق مؤشرات محددة ومضبوطة ومتعارف عليها دوليا، للأسف لا يتوفر عليها البرنامج المعروض على أنظارنا اليوم.

المؤشر الأول: يتعلق بنسب النمو، ذلك أنه في الوقت الذي يجب أن تحقق الدول المنتمية للاقتصاديات الصاعدة نسب نمو تفوق بشكل مستدام 6%، يقترح علينا البرنامج الحكومي نسبا غير محددة مابين 4,5 و5,5 ، رغم أن فارق نقطة في معدل النمو يعني الشيء الكثير، ومصداقية  التوقعات تقتضي إعطاء نسبة محددة، بالإضافة إلى أنه كان من المفروض أن تقدموا لنا توقعاتكم بشأن معدل النمو غير الفلاحي، الذي يعكس بوضوح العمل الحكومي، علما أن النمو الفلاحي لا يزال مرتبطا بالتساقطات المطرية، التي أصبحت غير منتظمة ببلدنا منذ سنوات بسبب التغيرات المناخية.

المؤشر الثاني: المتعلق بالدول الصاعدة، هو مؤشر تحسين الدخل الفردي بشكل مستدام بنسبة 6% سنويا، وهذا للأسف مؤشر غائب عن برنامجكم بشكل نهائي، مما يحتم علينا طرح سؤال جوهري، يتعلق بتغييب هذا المعطى عن برنامجكم ؟ خاصة وأن الدخل الفردي للمواطنين عرف تراجعا غير مسبوق خلال الولاية الحكومية السابقة، حيث لم يتعد 8% خلال خمس سنوات (2012-2016) في حين كان يصل إلى 21,5 % خلال الفترة الممتدة ما بين 2008 و 2011.

المؤشر الثالث: يتعلق بنسبة الطبقات المتوسطة من مجموع الساكنة داخل الاقتصاديات الصاعدة، والتي يجب أن تتعدى 80%، هذا المؤشر كذلك غائب عن البرنامج الحكومي، بل والأدهى من ذلك، غياب أي برنامج أو سياسة لتنمية وتوسيع فئة الطبقات المتوسطة.

المؤشر الرابع: يتعلق بنسبة الميزانية المخصصة للبحث العلمي داخل الدول الصاعدة، والتي يجب أن تتراوح بين 6 و 8% من الناتج الداخلي الخام، في الوقت الذي نجد فيه الاعتمادات المخصصة سنويا للبحث العلمي في بلادنا لم تصل بعد إلى نسبة 1% من الناتج الداخلي الخام، أما البرنامج الحكومي الذي نحن بصدد مناقشة مضامينه، فلم يخصص لهذا المجال سوى ثلاث إجراءات عامة وفضفاضة، دون التزام مرقم أو تحديد أي نسبة مرتقبة من الميزانية.

السيد الرئيس:

جاء برنامجكم مجزءا في شقه الاقتصادي، يتبنى المقاربة القطاعية الصرفة، مما وضعنا أمام صعوبة تحديد أولويات البرنامج،  وفي هذا الإطار نسجل الملاحظات التالية :

الملاحظة الأولى: إن الاقتصاد المغربي يعرف تحولا هيكليا من اقتصاد ينبني أساسا على الاستهلاك إلى اقتصاد ينبني على دعم الإنتاج، وخاصة الصناعي والتصديري، وإنكم إذ تؤكدون التزامكم بهذا الهدف، وهذا ما نعتبره إيجابيا، إلا أن الإجراءات التي جاء بها البرنامج، بالرغم من أهمية البعض منها، بدت مشتتة ومفككة ، كما تم إغفال جوانب مهمة لدعم النمو والتشغيل وغيرها من الإجراءات…

الملاحظة الثانية : التشغيل

لا يمكن الحديث عن التقليص من معدلات البطالة بمعزل عن الرفع من وثيرة الاستثمار ودعم المقاولة، وبالتالي الرفع من معدلات النمو، ولعل المعدل الذي تضعونه كتوقع للنمو خلال هذه الولاية، لا يمكنه أن يحقق، بتحليل علمي، معدل البطالة الذي تتوقعونه لأن محتوى الشغل في كل نقطة من النمو قد عرف تراجعا منذ سنوات.

ولا يفوتني هنا أن أسجل أن البرنامج الحكومي، ولأول مرة منذ عدة حكومات، لم يتحدث عن توقع عدد فرص الشغل التي تعتزم الحكومة إحداثها ، وهو ما يضع علامة استفهام كبرى عن مدى نجاعة الإجراءات المقترحة في هذا  الصدد.

الملاحظة الثالثة: المالية العمومية

قدم البرنامج الحكومي مجموعة من المؤشرات الماكرواقتصادية المتعلقة بالمالية العمومية، كعجز الميزانية الذي يتوقع أن لا يتعدى 3% من الناتج الداخلي الخام سنة 2021، ومديونية الخزينة التي من المتوقع أن تنخفض إلى أقل من 60% من الناتج الداخلي الخام عوض 65 % حاليا، ونسبة التضخم التي من المتوقع أن لا تصل إلى 2% من الناتج الداخلي الخام. هذه المؤشرات في حالة ما إذا تم تحقيقها، تعد جد مهمة بالنسبة لصحة الاقتصاد الوطني، ولصلابة الإطار الماكرو اقتصادي، إلا أننا نتساءل السيد الرئيس، عن الإجراءات التي تعتزمون القيام بها لتحقيقها؟

أما فيما يتعلق بمعدل التضخم، خاصة مع اعتزام بنك المغرب الشروع في تحرير سعر صرف الدرهم ابتداء من منتصف السنة الجارية، وما يمكن أن يصاحب ذلك من اضطرابات تضخمية، فماذا تنوي حكومتكم القيام به من أجل الحد من تأثير هذا الإجراء على نسبة التضخم المتوقعة؟ والتحول البنيوي الذي سوف تعرفه سياسة الصرف خلال الأشهر القليلة المقبلة.

السيد الرئيس:

كان من المفروض أن يحتل البعد الاجتماعي مكانة متميزة في البرنامج الحكومي من حيث الأهداف والآليات الكفيلة بتنفيذه، باعتباره دعامة أساسية للاستقرار والسلم الاجتماعي، غير أن البرنامج المعروض على أنظارنا يفتقد إلى الإبداع في تقديم الحلول، فهو أقرب إلى عرض للنوايا منه إلى برنامج عملي قابل للتطبيق، فذات الأرقام تقريبا تم عرضها على أنظار هذا المجلس منذ 5 سنوات، دون أن تجد طريقها للتطبيق، ليتم إعادة تقديمها أمام ممثلي الأمة في شكل برنامج حكومي جديد، فلا يستقيم الأمر أن يتم التعامل مع الملف الاجتماعي الذي يتغير باستمرار بتدابير تعود لاختيارات حكومة سابقة، وتم تجريبها ولم تعط النتائج التي كانت مرجوة منها في مختلف المجالات،خاصة قطاع التربية والتكوين، حيث نلاحظ افتقاد الجودة في البرامج التعليمية، وضعف المناهج التربوية، وتدني خدمات المدرسة العمومية، على الرغم من الموارد الكبرى المخصصة لهذا القطاع، وإننا لا نختلف في هذا الصدد حول وجوه الإشكالات التي تتمثل في غياب تصور  محكم وإرادة سياسية قوية  لحل معضلة التعليم ببلادنا، خاصة أن الامر يتعلق بأجيال المستقبل، واسمحوا لي ان أدعو الجميع الى ضرورة الانتباه الى حالة التعليم في بلادنا، وهي حالة تراجع، خاصة بسبب ضعف المواكبة العمومية لإعمال مبدأ التعميم، بإجراءات ترفع من الجودة وتوفر شروط الإصلاح الحقيقي، ولعل حالة التعليم المزرية في الوسط القروي لخير مثال على هذا التراجع .

السيد الرئيس:

أما بخصوص الخدمات الصحية، فإننا نناقش هذا البرنامج في الوقت الذي لازالت ردود الفعل إزاء الظروف التي أودت بحياة الطفلتين “ايديا” و”فاطمة الزهراء أوقاسي”، تتفاعل بعد ما خرج مئات المواطنين للاحتجاج بعدد من المدن، فهل كان لابد من وفاة هاتين الطفلتين؟ لنتأكد من عجز القطاع الحكومي المكلف بالصحة عن توفير الحق في العلاج؟ لنتأكد من ضعف وغياب التجهيزات الطبية وهشاشتها، وانعدام الأطباء المتخصصين في العديد من جهات المغرب، لنتأكد من تردي الخدمات الصحية، لنتأكد من صعوبة الولوج للعلاجات الطبية، لنتأكد من وجود فوارق صحية خطيرة بين الجهات، لنتأكد من غياب العناية اللازمة وتفشي مظاهر الإهمال الطبي.

وفيما يتعلق بمحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، فإن البرنامج الحكومي لم يأت بأي جواب عن طبيعة الدعم الذي ستخصصونه للفئات الفقيرة والهشة وذوي الاحتياجات الخاصة؟ وعن كيفية تقديمه؟ ومعايير التصنيف والاستفادة؟ بالإضافة إلى تغييب سياسة متكاملة بخصوص الفئات الهشة (الأطفال، المسنين، المعاقين والسجناء) لتحقيق تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، الأمر الذي يقتضي التفعيل السليم.

فلابد إذن من التفعيل السليم للقوانين المؤطرة للعمل الاجتماعي، والتي نص عليها البرنامج الحكومي بصفة تشاركية، لكونها برامج تتطلب المواكبة والمراقبة والتكوين المستمر، وتعزيز تبادل الخبرات، وبالتالي فإن تقوية وتعزيز تمويل السياسات المرتبطة بالاقتصاد الاجتماعي، يتطلب استمرار صندوق التماسك الاجتماعي وتوسيع قاعدة المستفيدين منه.

السيد الرئيس بالأمس القريب خاضت الأحزاب المشاركة في الحكومة معركة شرسة ضد إصلاح التقاعد، وتوعدت في حملتها الانتخابية بإعادة النظر فيه، ولكن البرنامج الحكومي سكت عن هذه المراجعة، أما بخصوص إصلاح صندوق المقاصة بتحرير المواد الأساسية المدعمة، فإننا في الفريق الاستقلالي نعتبر هذا الإجراء يضرب في الصميم القدرة الشرائية للمواطنين التي لا تزداد إلا تدنيا، وبالتالي فإننا نعتبر أن أي تحرير لهذه المواد المدعمة دون اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتمكين الفئات المستهدفة من هذا الدعم خطا أحمر.

السيد الرئيس:

فيما يهم تنمية العالم القروي والمناطق الجبلية،هل عالج البرنامج الحكومي الأوضاع المزرية التي تعاني منها البادية المغربية؟ بعدما اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره لواقع العالم القروي، أنه يعاني من الصعوبات ذات الصلة بأشكال التمييز ضد الساكنة القروية من حيث المنجزات التي تحققت في مجال التنمية الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالولوج إلى الخدمات الأساسية والبنيات التحتية من طرق وماء وكهرباء …

وإذا كنا نعتبر الشباب معادلة أساسية داخل المجتمع المغربي،فإننا نرى أن التدابير المقترحة لا تقدم حلولا ناجعة لمتطلباتهم في مختلف الميادين، باعتبار أن تحسين وضعية الشباب هو استثمار في أجيال المستقبل، وهو ما يتطلب تعليما جيدا يضمن لهم حقهم الدستوري في التشغيل، ونهج سياسة شبابية هادفة ومفعمة بروح الوطنية، وروح التطوع والتضامن، تمكنهم من تملك القدرة على المبادرة، مع الحرص على التعاون والشراكة مع هيئات المجتمع المدني في هذا المجال.

السيد الرئيس:

كنا نأمل أن يتجاوب البرنامج الحكومي مع البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلالي التي خاض حملته الانتخابية تحت شعار، “تعاقد من أجل الكرامة”، كرامة الانسان المغربي، حق المغاربة في العيش الكريم، كرامة الإنسان المغربي التي لا يمكن أن تتحقق في غياب الديمقراطية بأبعادها السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية، بما فيها الديمقراطية المحلية التي لا يمكن ترسيخها، إلا بإعادة النظر في الظهير المنظم لاختصاصات العمال الصادر في 1977 وفصل الجماعات الترابية عن وزارة الداخلية، بإحداث قطاع حكومي خاص بها، بما فيها أيضا الديمقراطية السياسية، التي لا يمكن توطيدها إلا بإعادة النظر في القوانين الانتخابية، خاصة فيما يتعلق بنمط الاقتراع للقضاء على البلقنة السياسية والبرلمانية والحكومية.

السيد رئيس الحكومة:

لا أخفيكم سرا مستوى الحرج الذي وصل إليه الفريق الاستقلالي، وهو يتداول بخصوص الموقف الذي سيتخذه فيما يتعلق بالتصويت على هذا البرنامج الحكومي، عندما وجد نفسه مطوقا بقرار برلمان الحزب من جهة، والمتغيرات الجديدة التي عرفها السياق العام الذي صدر فيه هذا القرار من جهة أخرى، سواء من حيث تعيين شخصية ثانية من حزب العدالة والتنمية رئيسا جديدا للحكومة، أو من حيث الطريقة التي تم بها تشكيل الفريق الحكومي، أو من حيث طبيعة الأغلبية الحكومية ومكوناتها وتوجهاتها واختياراتها، أو من حيث عدم إشراك الحزب في تقديم اقتراحات لتسهم في صياغة مشروع البرنامج الحكومي، هذا البرنامج الذي يخلو من البعد السياسي والمفروض أن يكون حاضرا بقوة في مضامينه، برنامج يفتقد للأرقام المعبرة عن الإرادة السياسية في التنفيذ، برنامج أريد له أن يعكس طبيعة التحالف الحكومي، بمختلف مكوناته لتحقيق التحالف المنشود، برنامج يطغى عليه المنظور القطاعي، بدل مقاربة البرامج انسجاما مع القانون التنظيمي لقانون المالية الجديد.

وسيحرص الفريق على التصويت بشأن هذا البرنامج الحكومي بما تفرضه متطلبات تعزيز المسار الديمقراطي ببلادنا.

وسيبقى حزب الاستقلال ضمير هذه الأمة، والمدافع عن انشغالات المواطنين، وتطلعاتهم وانتظاراتهم وقضايا المجتمع، وسيظل حزب الاستقلال متمسكا بخيوط الأمل في الإصلاح والتغيير، وبناء الصرح الديمقراطي، وإقرار التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، في مجتمع تسوده المساواة ،وتكافؤ الفرص، والعيش الكريم وقيم المواطنة الحقة.      

السيد رئيس الحكومة وحيث أن هذا البرنامج تعاقد، والتعاقد التزام وتعهد، فلا يسعني والمناسبة شرط كما قال الفقهاء، إلا أن أذكركم بقول الله تعالى:وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا” صدق الله العظيم

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.