كلمة الأمين العام لحزب الاستقلال خلال المؤتمر الاستثنائي للحزب

2017.04.29 - 8:22 - أخر تحديث : السبت 29 أبريل 2017 - 8:22 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
كلمة الأمين العام لحزب الاستقلال خلال المؤتمر الاستثنائي للحزب

جميع الاستقلاليين والاستقلاليات متشبثون بمبادئ حزبهم وبهويته الراسخة

 

تأكيد  التعلق بالمبادئ والقيم التي كافح من أجلها الرواد الأوائل من الوطنيين الأبرار وبالثوابت الدينية والوطنية والمثل العليا التي ضحوا  في سبيلها

 

تجديد الانخراط الكامل للاستقلالين والاستقلاليات وراء جلالة الملك محمد السادس لإنجاز المشروع المجتمعي الكبير الذي يسهر عليه جلالته

 

الاستقلاليون قرروا بكل مسؤولية ووضوح أنهم في صف الدستور وفي صف صناديق الاقتراع على علاتها

 

آمن حزب الاستقلال باستمرار بأهمية تراكم الإصلاحات السياسية والدستورية وبناء مؤسسات قوية تستند إلى الاختيار الحر للشعب المغربي عبر انتخابات نزيهة وشفافة وتنافسية

 

الحاجة إلى ممارسة فضيلة النقد الذاتي  لتمكين  الحزب من القدرة على مزيد من المقاومة وعلى استعادة كتلته الناخبة الحقيقية 

 

الوطن بالنسبة لجميع أبناء الوطن هو مكان الاستقرار والحرية والكرامة والديمقراطية والتغيير والأمن والأمان والشعور بالاطمئنان والعيش الكريم

 

 حزب الاستقلال يعتبر  كرامة المواطن قضية مقدسة غير خاضعة لأية مساومة 

 

أبرز رهان في المؤتمر المقبل هو صيانة وحدة الحزب واجتماع الأسرة الاستقلالية وإنهاء حالة الانقسامات الصغيرة

 

وحدة الصف الاستقلالي مسألة جوهرية  للحفاظ على تراث هذا الحزب العظيم وللوفاء لدماء الشهداء والمجاهدين 

 

عاش الاستقلاليون والاستقلاليات حدثا تاريخيا مساء يوم السبت 29 أبريل 2017 ، خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال  الذي احتضنته القاعة المغطاة بالمركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، حيث اتسم هذا الحدث بالتأكيد على وحدة الصف والتعبئة الشاملة من أجل ربح رهانات المستقبل.
وعرف المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال الذي ترأسه الأخ الأمين العام، إلى جانب أعضاء اللجنة التنفيذية، حضورا وازنا للمؤتمرين والمؤتمرات من جل جهات وأقاليم المملكة.
وتضمن جدول أعمال هذا المؤتمر التداول في  نقطتين فريدتين تهمان الفصلين 54 و91   من النظام الأساسي للحزب. وبعد تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم وإلقاء الأخ حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال، صادق المؤتمرون بالإجماع على مقترح تعديل الفصلين المذكورين واختتمت أشغال المؤتمر بترديد نشيد الحزب ..

وقد تميز هذا المؤتمر الاستثنائي بالكلمة التي ألقاها بالمناسبة الأخ الأمين  العام لحزب الاستقلال، في ما يلي نصه الكامل:

بسم الله الرحمان الرحيم

” لئن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ”

أيتها الأخوات أيها الإخوة؛

أعضاء المؤتمر الاستثنائي للحزب؛

الأخوات و الإخوة أعضاء اللجنة التنفيذية؛

ونحن نعيش الأجواء الروحانية والنفحات الربانية للأيام الأولى من شهر شعبان، نؤكد من جديد شديد التعلق بالمبادئ والقيم، التي كافح من أجلها الرواد الأوائل من الوطنيين الأبرار، وبالثوابت الدينية والوطنية والمثل العليا التي ضحوا بالغالي والنفيس دفاعا عنها، وأوصوا بضرورة الوفاء والإخلاص لها، وهي المبادئ والقيم التي نستشعر حجم المسؤولية من أجل العمل على صيانتها وتقويتها، لأنها المدخل الأساس لضمان تماسك وترابط أجيال الاستقلاليين والاستقلاليات، وتعزيز تلاحم الجيل الجديد بالرواد الأوائل، وفي مقدمتهم زعيم التحرير الخالد علال الفاسي الذي نتعطر بروحه الطاهرة مع اقتراب ذكرى وفاته.

إن الجميع يدرك أن هذه المحطة  المهمة في المسار النضالي لحزب الاستقلال، تنعقد وجميع الاستقلاليين والاستقلاليات متشبثون بمبادئ حزبهم وبهويته الراسخة، وهو الحزب الذي برهن طيلة أكثر من ثمانية عقود على قدرته المتجددة من أجل مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، باعتباره  حزبا وطنيا كبيرا يرتكز على عمل المؤسسات، ويحتكم لقواعد الديمقراطية الداخلية، ويتمتع الجميع فيه بالمساواة والحرية والمساهمة الفاعلة في اتخاذ القرار الحزبي، وهي التوجهات المستلهمة من فكر زعيم التحرير، الذي كان دائما يدعو إلى نبذ الجمود والتحجر ويشدد على ضرورة الانفتاح والتغيير ومسايرة مستجدات العصر، وجعل حزب الاستقلال، حزبا من الشعب وإلى الشعب وفي خدمة الشعب .

إن انعقاد المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال في هذه الظرفية الدقيقة، جاء ليؤكد من جديد الانخراط الكامل للاستقلالين والاستقلاليات، وراء جلالة الملك محمد السادس نصره الله، من أجل إنجاز المشروع المجتمعي الكبير الذي يسهر عليه جلالته، والمتمثل في بناء مجتمع مغربي قويّ ومتضامن ويأخذ بأسباب التطور والرفاه في كافة المجالات، ويستند إلى ترسيخ دعائم وأسس الدولة المغربية المتقدمة المنفتحة على آفاق العصر، والمتمسكة بالثوابت والمقدسات، والمندمجة في تيار التقدم الإنساني العام، والمنخرطة في سيرورة التطور العالمي في مختلف أبعاده الإنسانية والحضارية .

ينعقد هذا المؤتمر الاستثنائي للحزب وفق نقطتين في جدول الأعمال تتمثلان في التداول في فصلين من فصول النظام الأساسي للحزب وهما الفصل 91 والفصل 54، وذلك وفق ما ينصه عليه النظام الأساسي للحزب الذي جعل المؤتمرات الاستثنائية تنعقد وفق جدول أعمال محدد، وذلك لتبقى المؤتمرات العادية مسؤولة عن مناقشة كل القضايا القانونية والتنظيمية والسياسية التي تهم الحزب سواء بالنسبة للفترة الفاصلة بين مؤتمرين عاديين، أو بالنسبة لرسم خطة العمل المستقبلي للسنوات الأربعة القادمة.

وكما تعلمون فإن الحزب على مدى تاريخه الطويل عقد عدة مؤتمرات استثنائية، الفرق بينها وبين مؤتمرنا هذا، هو أن أكثرها عقد لأسباب سياسية، وترتبت عنها قرارات ومواقف تشكل اليوم جزءا من التاريخ السياسي المعاصر لبلادنا، ولتطور التجربة الحزبية والسياسية والديمقراطية، ففي 25 أكتوبر 1936 انعقد المؤتمر الاستثنائي لكتلة العمل الوطني بالرباط الذي أكد المطالب المستعجلة لسنة 1934 التي تم التركيز خلالها على سبع نقاط من أهمها حرية الصحافة والعمل الجمعوي وحرية التنقل وتوحيد برامج التعليم وإصلاح جهاز القضاء وإلغاء الاستعمار الفلاحي الرسمي والمساواة في أداء الضرائب والتخفيف منها وتطبيق قانون الشغل على قدم المساواة بين المغاربة والفرنسيين والرفع من عدد المستشفيات والأدوية، وفي سنة 1955 في الفترة من 2 إلى 5 دجنبر، انعقد المؤتمر الاستثنائي للحزب في ظرفية خاصة ودقيقة جدا من تاريخ الحزب والبلاد، فقد عقد المؤتمر بعد دعوة الراحل محمد الخامس الحزب للمشاركة في الحكومة الأولى بعد الاستقلال والتي قادها المرحوم البكاي، حيث سجل الزعيم علال وعدد من قيادات الحزب موقفا رافضا لمشاركة الحزب في حكومة لا يقودها حزب الاستقلال والذي كان شرطا فرنسيا، حيث رفضت فرنسا رفضا قاطعا تولي ممثل عن الحزب رئاسة الحكومة، كما أن تشكيل تلك الحكومة كان يعني تشرذمها بين أحزاب وشخصيات لا يربط بينها رابط، وفي ظل غياب حكومة منسجمة وهي المطالب التي رفعتها فيما بعد قيادات من اللجنة التنفيذية والشبيبة الاستقلالية والاتحاد المغربي للشغل الجناح النقابي للحزب آنذاك، وكذلك فعل ممثلوا حركة المقاومة، وقد تبين فيما بعد صواب الموقف الذي عبر عنه الزعيم علال الفاسي الذي لم يحضر المؤتمر لأنه كان لا يزال في المنفى ومعترض على مخرجات وخلاصات مشاورات لقاءات إيكس ليبان، حيث سرعان ما سقطت حكومة البكاي الأولى، وكان ذلك المؤتمر بداية بروز اختلافات داخل الحزب.

وفي 14 دجنبر 1997 عقد الحزب مؤتمرا إستثنائيا على خلفية مذبحة الانتخابات التشريعية التي استهدفته بشكل واضح، بعد اعتذار المرحوم السي امحمد بوستة قيادة حكومة التناوب الأولى سنة 1994، حيث قرر المؤتمر التنديد بالنتائج التي تم الإعلان عنها وعدم الاعتراف أو تزكية المؤسسات المنبثقة عنها، فكان المؤتمر الاستثنائي لسنة 1997 صخرة كبيرة رمى بها حزب الاستقلال في بركة السياسة في بلادنا، وشكل لحظة للحقيقة ولصدق الخطاب السياسي في مقابل ماكينة تستهدف استقلالية الأحزاب السياسية وترفض أن تكون لها شخصية مختلفة غير ما كان يسعى إليه الحزب السري من تنميط للأشخاص والأحزاب والنقابات والجمعيات، وكانت قرارات المؤتمر الاستثنائي للحزب سنة 1997، تعطيلا عمليا لمخرجات العملية الانتخابية المشوهة وما سعت إليه وزارة الداخلية من مشهد حزبي وسياسي، حيث فرض حزب الاستقلال التعامل معه وفق حضوره الحقيقي وليس وفق ما صنعته أجهزة وزارة الداخلية من أرقام، وكان آخر مؤتمر استثنائي للحزب هو ذلك الذي انعقد بالرباط يوم 11 يناير 2007 من أجل ملائمة قوانينه مع أحكام القانون 36.04 المتعلق بالأحزاب السياسية، وهو في جزء منه يتطابق مع الهدف من انعقاد هذا المؤتمر، حيث يتعلق الأمر بجوانب في النظام الأساسي.

هكذا كانت المؤتمرات الاستثنائية في غالبيتها المطلقة تفاعلا مع الأحداث الكبرى التي عرفتها البلاد، والمؤتمر الاستثنائي الحالي وإن كان لا ينعقد بجدول أعمال سياسي، فإنه ينعقد في ظرفية سياسية خاصة من تاريخ بلادنا ستبقى آثارها محفورة في الذاكرة الجماعية للشعب المغربي، حيث أثبتت الأحداث المتوالية أن حزب الاستقلال كانت له الحكمة والجرأة والشجاعة، لكي يقوم بالتشخيص الضروري للوضعية التي تجتازها بلادنا، لأن حزب الاستقلال كما قال الزعيم علال الفاسي في خطابه أمام المؤتمر الخامس للحزب والمنعقد سنة 1960 أن الحزب “الحركة الدائبة والاستمرار والتجديد، إنه الانطلاقة الشعبية التي لا تعرف الوقوف، لأنها تعلم أنه لا حد للحركة ولا نهاية للعمل الصالح، ولكنها تقف عند كل مرحلة قطعتها لتعرف ماذا فعلته، وماذا أحسنت فيه أو أخطأت، إنها تقف لتنتقد نفسها وترى ما يجب أن تواصله …إن قيمة حزب ما ليست في كثرته ولا في قوة أسلوبه ولكنها في مطابقة عقيدته لنزعات الشعب الباطنة، وفيما ينشأ عن ذلك من الاستجابة الجماعية لدعوته”..هكذا كنا وهكذا سنظل.

أيتها الأخوات و الإخوة؛

إن مؤتمركم هذا ينعقد باستحقاق قانوني داخلي، لكنه ينعقد في ظل الهجمة الشرسة التي يتعرض لها القرار الحزبي المستقل، وفي إطار حملة متواصلة تستهدف هذا البيت الذي كان دائما يصدح بقول الحق، حيث يعتقد البعض أنهم يعاقبون حزب الاستقلال لأنه رفض أن يزكي الانقلاب الناعم على مخرجات العملية الانتخابية المشوهة أصلا يوم 7 أكتوبر، حيث قررنا بكل مسؤولية ووضوح أننا في صف الدستور وفي صف صناديق الاقتراع على علاتها، علما أننا حذرنا قبل الانتخابات وأثنائها، من نتائج استدعاء ممارسات من الماضي، كما أننا وعبر الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، بادرنا إلى تقديم مقترحات قوانين وتعديلات لتوفير شروط حقيقية للتنافس الانتخابي وللحفاظ على مصداقية المؤسسات المنتخبة، حيث تقدمنا بمقترح تشكيل هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات وفسح المجال أمام جميع المغاربة للتصويت بناء على البطاقة الوطنية والقطع مع لعبة اللوائح الانتخابية، وإعطاء الأمل للمغاربة في استعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي مسار الإصلاح الذي كان حزب الاستقلال دائما مقتنع به ومدافعا عنه في أصعب الظروف التي مرت بها البلاد.

لقد أثبتت مخرجات 07 أكتوبر ومسار تشكيل الحكومة الحالية، أن أشياء كثيرة ليست على ما يرام ببلادنا، وأنه سيكون من باب غياب المسؤولية القول، بأن ما عرفته البلاد في ستة أشهر الأخيرة أمر عادي وطبيعي، أو القول بأن ذلك يحدث حتى في الدول العريقة في الديمقراطية، فالواقع الذي يدركه الجميع ويتغافل عنه البعض، أن واقع الممارسة السياسية والانتخابات أصبح مؤطرا بعقلية لا تؤمن بالتراكم الديمقراطي، بل فقط بإغلاق قوس مسار طويل من التضحيات ومن المبادرات ومن الاختيارات الوطنية، التي مكنت بلادنا بعد انهيار جدار برلين، أن تكون في موعد مع موجة الانتقال الديمقراطي التي عرفتها دول أوربا الشرقية وبعض بلدان أمريكا اللاتينية، هذا المسار الذي واجهت فيها البلاد بشجاعة، مختلف التشوهات التي طبعت الحياة السياسية والاقتصادية ببلادنا لعقود طويلة، وكان لدينا الأمل ومعنا جميع الديمقراطيين في الداخل والخارج، أن لا تضيع بلادنا تلك الفرصة، لتدارك سنوات من العجز سواء في السياسة أو في الفوارق الطبقية والمجالية.

لقد قرر المجلس الوطني للحزب دعم  رئيس الحكومة المعين يوم 10 أكتوبر وهو في جبهة الممانعة والمقاومة، للأصوات والمشاريع التي كانت معروضة علينا بعد انتخابات 7 أكتوبر ورفضناها، وقد كان الحزب وهو يتخذ ذلك الموقف الذي سيبقى مطبوعا في الذاكرة السياسية لبلادنا، يقدم نموذجا حيا عن إمكانية استعادة القوى الوطنية الديمقراطية للمبادرة وفقا لمعارك واختيارات مبدئية، لهذا لم نساوم ولم نشترط بمنظور سياسوي أية اشتراطات بمنطق الغنيمة والحسابات العددية، لأننا كنا ندرك طبيعة اللحظة السياسية، وكنا نعرف أن اللحظة هي لحظة دفاع عن الديمقراطية وأن تكون صناديق الاقتراع هي الفيصل، وأن يكون الناخبون هم من يحدد من يتحمل المسؤولية، وكنا مؤمنين بأن الحكومة يجب أن تعكس التوجهات التي يعبر عنها المجتمع بشكل واضح لا لبس فيه، لكن في المقابل كانت هناك إرادة النكوص وإعادة تنشيط ممارسات صناعة الأحزاب والزعامات في احتقار كبير لذكاء الشعب المغربي ولكل الإرادات الديمقراطية، التي تعتبر أن بلادنا تمر بظروف صعبة وفي منطقة تموج بالحركات الاجتماعية ومختلف التحديات الأمنية والاقتصادية، وأن الاختيار الديمقراطي الذي أضحى واحدا من الثوابت الدستورية، هو الضمانة الوحيدة التي يمكن أن تحفظ لبلادنا تحولات هادئة و مستدامة.

لقد وضع الحزب منذ نهاية 2015 نقطة نظام سياسية حول مجمل التحولات والتطورات التي تعرفها بلادنا، وسجل بكل شفافية ووضوح أن المس بالمسار الديمقراطي وإعادة إنتاج تجارب التدخل في المشهد السياسي وصناعة الخرائط السياسية، إنما يحمل مخاطر جدية على بلادنا، ويؤسس للشك عوض اليقين الذي ناضلنا من أجله إلى جانب القوى الوطنية الديمقراطية وقدم في سبيله الشعب المغربي تضحيات جسيمة، ونبه إلى أن ما كان يجري وما كان مخططا له لا يفيد الاستثناء المغربي الذي هو نتيجة لتفاعل المغرب مع ما يجري في العالم، حصل ذلك منذ انهيار جدار برلين وانطلاق مسار المصالحة بداية التسعينات من القرن الماضي، وتجدد ذات الوعي مع ما سمي بالربيع العربي وهو ما مكن بلادنا مرة أخرى أن تنفلت من حالة الفوضى التي تعرفها بلدان أخرى في المنطقة ولازالت مستمرة تعبث بشعوب وحضارات وترهن مستقبل أجيال كاملة.

لقد آمن حزب الاستقلال باستمرار بأهمية تراكم الإصلاحات السياسية والدستورية وبناء مؤسسات قوية، تستند إلى الاختيار الحر للشعب المغربي عبر انتخابات نزيهة وشفافة وتنافسية، حيث كان مطلب نزاهة الانتخابات عنصرا أساسيا في مرافعات وأدبيات الحزب، لا يقل أهمية عن مطالب الإصلاح السياسي والدستوري، التي رغم تحقق جزء منها، فإنها تبقى بدون فعالية عندما تصادف مؤسسات تمثيلية تعاني من عجز في منسوب المصداقية، ولا تعكس التوجهات والاختيارات الحقيقية للشعب المغربي، هذه الوضعية طبعت المسار السياسي لبلادنا منذ أول انتخابات عرفتها بداية الستينات من القرن الماضي، وما رافقها وما تلاها من محاولات وجهود للمس بالتطور الطبيعي للحياة السياسية والحزبية، وكما قلنا ونقول اليوم، أن كل محاولات إعادة التجارب السابقة لا يعتبر سوى هدرا للزمن السياسي وبالنتيجة هدرا للزمن التنموي، وقيام المجتمع المبني على العدالة والإنصاف وسرقة لأحلام أجيال من المغاربة.

لقد كافح الحزب طويلا من أجل قيام الديمقراطية ببلادنا، وهنا نستحضر وصايا الزعيم علال في المؤتمر السابع للحزب سنة 1965 عندما أكد “أن الديموقراطية لا تريد الفرد على ما هو عليه، ولكن على ما ينبغي أن يكون، ولذلك فالاجتماعات الديموقراطية لابد أن تمتلئ بالنقد الذاتي، ولابد أن تبحث عن عيوب المجتمع لإصلاحه”، وأكد في المؤتمر الثامن للحزب سنة 1967 أن:”معركة الديموقراطية طويلة وصعبة، ولكن لابد من خوضها والثبات فيها، إنها بطبعها ليست معركة عنف، ولكنها معركة سلام، وهي قبل كل شيء تربية للنفس، إنها سعة الصدر وانفتاح القلب والتسامح في المعاملة والتوفيق بين المتناقضات”.

لقد آمن حزب الاستقلال ودافع عن ثوابت البلاد عن قناعة راسخة، وهو لا يزال على نفس القناعة وسيستمر في الدفاع عن قناعاته ومبادئه، بما يقتضيه الأمر من جدية وصراحة وصدق تجسيدا للقيم الوطنية النبيلة، كما سيظل وفيا لتحليله لحاجات البلاد وبصفة خاصة للديمقراطية على أصولها وكما تبلورت في المجتمعات المتحضرة، ولازال التوافق لمصلحة بلادنا يعتبر منهجا واختيارا راسخا.

أيتها الأخوات والإخوة؛

لقد قاوم حزب الاستقلال منذ سنة كاملة جملة من الضغوط، وقاوم محاولات تشتيته وخرج سالما موحد الصفوف والكلمة، وكانت له القدرة رغم كل الصعوبات الظاهرة والخفية، على أن يحفظ مكانته في المشهد السياسي والحزبي، ورغم أننا غير راضين عن النتائج التي تحققت في الانتخابات التشريعية، لأنها كانت أقل من طموحنا وتوقعاتنا، فإننا مدركين لجسامة ما واجهناه من تحديات وصعوبات واستهداف مباشر لمرشحينا ولمن كانت لهم نوايا الترشح باسم الحزب.

إن قيادة الحزب أجرت تحليلا معمقا وهادئا للنتائج، وللسياق العام لانتخابات 7 أكتوبر، وهنا يمكن القول بأننا أمام تحول بنيوي تعرفه الانتخابات ببلادنا، وأن جزءا كبيرا من الناخبين لم يتوجهوا لصناديق الاقتراع لتقييم نجاعة السياسات العمومية، بل الاصطفاف كان على أساس القطبية المصطنعة التي وجهت الرأي العام لاختيارات سياسية وقيمية، لا علاقة لها بالحصيلة الحكومية، هذه القطبية التي لا وجود لها في المجتمع ولا تعكس طبيعة الواقع السياسي لبلادنا، وهو ما يشكل واحدة من ملامح الارتباك العام الذي طبع ما قبل الانتخابات وخلال الحملة الانتخابية، بل امتد إلى ليلة إعلان النتائج وامتد إلى ما بعدها من خلال التخلي مرحليا عن الرهان السابق، وتم صناعة رهانات جديدة على عجل…

لكننا مع ذلك بحاجة إلى ممارسة فضيلة النقد الذاتي، وذلك لتمكين حزبنا في المستقبل من القدرة على مزيد من المقاومة، وعلى استعادة كتلته الناخبة الحقيقية والفئات التي تعبر عنها مبادئه وأفكاره، وهذا الأمر يتطلب إعادة النظر في هيكلة الحزب التنظيمية لمواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وإعادة موقعة الحزب في التجمعات الحضرية الكبرى وخاصة المدن التي تخضع لنظام وحدة المدينة، ونحن سعداء اليوم لأن المواطنين يبادلوننا الاحترام لطبيعة المواقف التي اتخذناها وهذا التقدير سيكون له ما بعده بحول الله.

أيتها الأخوات و الإخوة؛

ينعقد مؤتمرنا هذا وقد غادرنا إلى دار البقاء الكبير أستاذ الأجيال السي محمد بوستة، الذي ودعناه بحزن شديد كما ودعه الوطن بكل أطيافه السياسية والإيديولوجية، لقد كان رحمه الله، واحدا من الشهود الذين عايشوا تحولات مفصلية في تاريخ الحزب والحركة الوطنية مما كان لها تأثير كبير على المسار السياسي والديمقراطي ببلادنا، وكان واحدا من أشد المقربين من الزعيم علال الفاسي، وفي صحبته كان شاهدا على القرارات والمواقف الكبرى والخالدة التي اتخذها الزعيم علال، دفاعا عن نضال الحركة الوطنية، وتشبعا بأهدافها الكبرى، المتمثلة في السيادة الوطنية على كافة التراب الوطنية، والسيادة للشعب عبر مؤسسات ديمقراطية في ظل الملكية الدستورية، مع الحرص الكبير على وحدة القوى الوطنية الديمقراطية، فكان السي امحمد بوستة واحدا من كبار المؤيدين لهذه الاختيارات الكبرى والمرجعية، ولكل التدابير والقرارات التي كان الحزب مجبرا على اتخاذها في لحظات صعبة من تاريخ بلادنا، هكذا كان الراحل الكبير مرنا ورجل توافقات، لكنه في ذات الوقت كان حازما وصارما عندما يتعلق الأمر بالثوابت والمبادئ التي لم تكن مطروحة لأنصاف الحلول، وكان يعلم أن في قضايا الوطن ليس هناك مجال للحياد، كما كان يميز دائما بأن الأمر في النهاية ليس شخصيا.

ونذكر للكبير السي امحمد بوستة إرادته الكبيرة في أن يحصل المغرب على الانتخابات التي تحترم إرادة الناخبين، وليس الانتخابات التي أبدع في وصفها عندما قال “الانتخابات المخدومة”، إنه السي امحمد بوستة الذي رفض الوزارة الأولى مع إحتفاظ الراحل إدريس البصري بوزارة الداخلية، وهو صاحب «مقدو الفيل، زادو الفيلة»، إنها مدرسة السي امحمد بوستة التي علمتنا الثبات على القناعات الوطنية التي توجد في قلبها مصلحة البلاد والعباد.

أيتها الأخوات أيها الإخوة؛

في اجتماع يوم 29 نونبر 1959 اجتماع حاشد لكتاب فروع الحزب بمختلف مناطق البلاد، والحزب آنذاك يواجه مخاطر التقسيم و الانشقاق بعد حركة 25 يناير، قال الزعيم علال الفاسي أن” مرآة حزب الاستقلال تفضح وجوه كل الخونة والمذبذبين والمتطلعين إلى ما يستطيعون تحمله من مسئوليات، وبما أنهم لا يستطيعون أن يكبروا وجوههم أو يغيروها وبما أن المرآة لا تقدر أن تظهرهم على غير حقيقتهم فإنهم يريدون التحرر من الواقع بكسر المرآة”.

وأثناء انعقاد المؤتمر السادس للحزب سنة 1962 خاطب الزعيم علال المؤتمرين  المؤتمرين قائلا: «عليكم أيها الأخوات والإخوة أن تحاربوا روح النفعية في وسط أعضائنا وأنصارنا وأن تزيلوا عن أفكارهم الطمع ..»، هذه كانت واحدة من وصايا زعيمنا الراحل، وهي صالحة دائمة لتحصين الحزب وتحصين مناضلاته ومناضليه، حتى يكونوا على قد انتظارات الشعب المغربي الذي لا يزال يحفظ لحزبنا مكانته اللائقة.

حكمة اليوم

في الشدة يُقَاسُ الصبر.

وفي النقاش يُقَاسُ العقل.

وفي المواقف تُقَاسُ البشر.

وقال صلى الله عليه وسلم:

ستنصب حول العرش منابر من نور عليها أناس وجوههم نور ولباسهم نور ليسوا بأنبياء ولا شهداء قيل من هم يا رسول الله؟، قال: المتحابون في الله.

أجدد حبي لكم في الله وأتمنى البسمة الدائمة على محيَّاكُم وأدعو لكم بالمغفرة ولوالديكم ومن هو عزيز عليكم، وأن يمحو خطايانا وخطاياكم ويجمعنا وإياكم في نعيم جناته.

جلالة المغفور له الملك  الحسن الثاني رحمه الله قال:

 أصحاب المبادئ يعشيون مئات السنين وأصحاب المصالح يموتون مئات المرات.

الأخوات والإخوة؛

يوم جديد، يوم آخر ينضاف إلى ما سبق من سنوات، ليراكم الأعمال ويجعلنا نتدبر ونراجع حساباتنا ونقرر بكل تؤدة ونفكر بكل عقلانية.

للبيت رب يحميه نحن الأفراد في بيت العائلة الذي يتسع للجميع بيتنا كبير، بيتنا بيت الكرم حزب الاستقلال أكبر من أي فرد فينا.

حزب الاستقلال يضمنا جميعا، نستضل بظله، وندود عنه بالنفس.

حزب الاستقلال برمزه الميزان بكفتيه المتساويتين، كفتيه اللتان لا تهتمان بمن أنت وابن من تكون، كفتا الميزان تنظران إلى وزنك من خلال أعمالك، من خلال عطائك، من خلال ما قدمته وما ستقدمه للوطن، وللشعب المغربي.

كفانا مزايدات، كفانا تطاحنا، كفانا ضربا في مصداقية البيت الاستقلالي.

لا تستهينوا بالبيت الاستقلالي، لا تَحُطُّوا من قيمة الفرد الاستقلالي.

الاستقلاليون مبصرون متبصرون حكماء.

الاستقلاليون مخلصون لحزبهم ولوطنهم ولملكهم.

إن الوطن بالنسبة لجميع أبناء الوطن هو مكان الاستقرار والحرية والكرامة، والديمقراطية والتغيير، والأمن والأمان والشعور بالاطمئنان والعيش الكريم، بكل ما تشمله هذه الكلمات من معاني كبيرة.

وليس الوطن حكرا لفئة محدودة من الأشخاص ينهبون ثرواته، ويستحوذون على خيراته ويفعلون فيه ما يشاءون، كما يشاءون، متى يشاءون.

إن حزب الاستقلال يعتبر أن كرامة المواطن قضية مقدسة غير خاضعة لأية مساومة، ولا يقبل أن يهان المواطن في وطنه، لإيمانه أن كرامة المواطن هي غاية كل سياسة مواطنة ومتنورة ومسؤولة.

فالسياسات والقوانين التي لا تخدم المواطن ولا تعمل على حمايته ومنفعته ليست بذات قيمة.

أيتها الأخوات و الإخوة؛

إننا بعد المؤتمر الاستثنائي سنواصل التحضير للمؤتمر السابع عشر للحزب، وهو مؤتمر ينعقد بلا شك برهانات وطموحات كثيرة في مستوى وحجم وتاريخ حزبنا العتيد، وكأمين عام للحزب، فإن أبرز رهان يجب أن يكون في المؤتمر المقبل، هو صيانة وحدة الحزب واجتماع الأسرة الاستقلالية وإنهاء حالة الانقسامات الصغيرة التي تغلبنا عليها جميعا، وسنتغلب بعون الله على كل التحديات التي يمكن أن تواجهنا في المستقبل.

إن وحدة الصف الاستقلالي مسألة جوهرية وأساسية، وذلك للحفاظ على تراث هذا الحزب العظيم، وللوفاء لدماء الشهداء والمجاهدين الذين أبدعوا في تأسيس هذا الحزب كفكرة قبل أن يكون تنظيما، الفكرة التي تدافع عن الشعب وتلتصق بمصالحه وتجعل التنظيم الحزبي أداة لدفع الظلم وتحقيق الحرية والكرامة والديمقراطية.

 بهذه الروح صنعت المصالحات الكبرى في تاريخ الحزب، الذي عرف كما اليوم حالات من الشد والجذب منها ماهو معروف للجميع، ومنها ما ظل مستقرا في أفئدة من عاشوا تلك الأحداث والوقائع واحتفظوا بتفاصيلها بعيدا عن الجميع.

 طالبا من الإخوة المؤتمرين والأخوات المؤتمرات تفويض الأمين العام واللجنة التنفيذية للقيام بمصالحة شاملة.

 

إن يعلم الله في قلوبكم خيرا، يوتيكم خيرا

صدق الله العظيم

و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.