حديث الجمعة:ثورة الملك والشعب الأبعاد والسياق..!

2017.08.17 - 4:01 - أخر تحديث : الخميس 17 أغسطس 2017 - 4:12 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
حديث الجمعة:ثورة الملك والشعب الأبعاد والسياق..!

ذ: محمد السوسي  

هل يمكن أن نقدم حديث الجمعة اليوم دون أن يكون في صدارة الحديث الكلام عن الحدث الكبير الذي عرفته أسرة الحركة الوطنية المغربية؟ وإن شئت الدقة قلت الأسرة السياسية والفكرية والثقافية ولم لا؟ الدعوية خلال الأيام الأخيرة بوفاة المجاهد الأديب المفكر المؤمن الملتزم المشمول برحمة الله وفضله الأستاذ عبد الكريم غلاب.

      إن الحديث عن هذا الإنسان المومن بربه وبدينه والمنافح عن القرآن ولغته منذ كان يافعا إلى أن وصل من عمره السديد إلى ما وصل إليه، ولكنه كان إلى آخر رمق من هذه الحياة العامرة هو الدفاع عن الإسلام كما جاء في كتابه القرآن وسنة نبي الإسلام.

      لقد كان الفقيد يومن بأن الحياة لن تكون كريمة ولن يعيشها الناس بمعناها الحق إلا إذا كانت مبنية على النزاهة الفكرية والاستقامة الخلفية، ومن هنا كان جهاده الدائم ينصب في هذا الاتجاه، كان الرجل يمتشف القلم ويفعل بأثر القلم ما لا تستطيع فعله الجيوش والكتائب المدججة بالسلاح، ولم يكن بالإنسان الذي يرى في الأدب والكلمة وفن القول كما كان يسميه ان الأديب وصاحب الكلمة يقول كلمته ويمشي، ولكن كان يقول كلمته ويحيط هذه الكلمة بالنضال والذود عن هذه الكلمة لتقوم بأحداث تأثيرها المطلوب والمرجو بين الناس.

      المرحوم عبد الكريم غلاب، كان رجل الفعل المباشر بجانب الكلمة الصادقة، لذلك كان ما يكتبه وما يتحدث به يجد صداه وأثره عند الناس، فما يقوله لم يكن ينظر إليه على أساس أنه من ترف الكلمة، وان هذا الإنسان كغيره ممن يمتهنون الكتابة عندما أصبح الناس ينظرون إلى أمر الكلمة والكتابة على أنها مهنة، فإذا كان الجهاد لا يمكن ان يصدق عليه انه مهنة لأنه بالأساس معاناة ومكابدة ومجاهدة، فكذلك لا يمكن ان يقال عن الكلمة الصادقة مكتوبة أو مقولة أنها مهنة، فالإنسان وظيفته يؤديها عن طريق الكلام فلا يمكن ان ينعت بالوظيفة، ونحن هنا لا ندخل في ميدان مناقشة اللغة عند اللغويين وأقسامها، ولكننا فقط نرى ان كلمة غلاب هي كلمة المجاهدة مجاهدة النفس ومجاهدة الآخرين من أجل الأمر السواء بين الناس، فلذلك عندما نقول عن الرجل انه صاحب قلم وصاحب رسالة، فإنما يعني ذلك ان لديه قبس من نور أصحاب الرسالات السماوية والرسالات الإنسانية التي هي مستمدة من نور المعرفة والعرفان.

      وانطلاقة الأستاذ غلاب مع هذه الرسالة التي تحملها كانت منذ اليوم الأول من ولادة هذا الإنسان الذي فتح عينيه على واقع لم تستوعبه أفئدة الناس، ولم يصدقوا انه واقع فرض نفسه عليهم، انه ولد وسط مجتمع متمرد على هذا الواقع الذي أريد له أن يكون مستاغا ومقبولا، ولكن الناس لم يكونوا كذلك فكيف لمجتمع يصبح ويمسي بين معلمين تاريخيين ينبئان مع كل اشرقة شمس وغروبها ويرفع فيهما المؤذن مع تباشير الصبح الأولى ومع سدول الليل ستاره الدامس وترتفع في صوامع المدينة مع هذين المنبعين أذان الفجر وأذان العشاء وما بينهما آذان الصلوات الخمس اني لهذا المجتمع الذي قطب رحاه جامعة القرويين والضريح الإدريسي فهذا الجامع الذي عرف محافل العلماء والمجاهدين وهذا الضريح يضم في ثراه المولى إدريس باني الدولة المغربية على أساس الإسلام وعقيدة القرآن.

      ان من ينشأ في هذا الوسط ومن يعيش في هذا الجو لا يمكن ان ينسجم مع واقع فرض بالقوة من لدن من يعتبره هذا المجتمع كافرا أو غاصبا، انه الوسط الذي نشأ فيه غلاب وكان والده ممن يؤمنون بضرورة التحرك لإزالة هذا الواقع الأفن والوضع الآسن، وكانت الخطوات الأولى للفقيد في الكتاب الذي يصدح فيه القارئ (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) ما كان لهذا الطفل ان يذعن للأمر الواقع، وهو يسمع ويقرأ القرآن وهو ينذر المسكنين: قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قال الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها” لم ينساق غلاب مع الدعوة إلى الهجرة بالمعنى السلبي، ولكنه هاجر إلى العلم والى الفعل السياسي في خلايا الحركة الوطنية “كتلة العمل الوطني” فأصابه ما أصاب شبابها من سجن واعتقال، ولكنه كان قد وطن نفسه وهو من الرعيل الأول للحركة الشبابية، من الجيل الثاني ان صح التعبير.

      وهكذا كان غلاب الطفل الشاب الثائر يسعى مع الساعين الأولين لتحرير الإنسان المغربي وتحرير الأرض المغربية من الاحتلال الأجنبي، وكان يرى مع إخوانه ان المرحلة تتطلب المزيد من المعرفة والوعي، فكان طلب العلم وسيلة من وسائل الجهاد وكانت هذه الوسيلة العلم والثقافة الأصيلة والمنسجمة مع العقيدة هي الطريق الدائم إلى الثورة والى الحرية والانعتاق.

      وإذا كان غلاب غادرنا في عيد ثورة الملك والشعب وهو احد أعمدتها وصانعيها والذي اكتوى بها حيث اعتقل في هذه الأيام من عشرين غشت 1953.

      إن غلاب رحمه الله يحيي الذكرى بطريقته وفي هذا من معاني الثورة ورفض الواقع ما فيه لكل من أراد أن يستوعب الحدث وأبعاده، لأن الحياة من غير دلالة ورمز كانت مرفوضة باستمرار لدى الثوار من طينة غلاب.

***********

 

ليس هناك صدفة

الأحداث الكبرى في تاريخ الأمم والشعوب لا تأتي صدفة وبدون مقدمات وأسباب. وإذا حدث فإن ذلك يعتبر من قبيل المعجزات التي لا تتكرر، وتاريخ المغرب المعاصر تاريخ حافل بالوقائع والذكريات كلها صالح لأن يتوقف أمامه الإنسان ويتأمل الدوافع والأسباب، ويعرض ذلك على ميزان العقل والنقد والفحص ليستخلص ما يمكن استخلاصه من الدروس والعبر، ويضع خلال هذا الميزان القسط ما له وما عليه حتى يكون على بينة من أمره فيما يستقبله من الأحداث.

حركة دائبة

ذلك لأن الحياة حركة دائبة وتفاعل مستمر، وصيرورة متواصلة، فقد يأتي مع تطور الزمان والأحداث ما يكون هذا الدرس نافعا له، وتكون تلك النتائج علاجا لأدوائه وأضراره، ونحن اليوم على موعد مع يوم وتاريخ فاصل في نضال الشعب المغربي وهو يواصل زحفه ومسيرته من أجل الحرية والانعتاق، إنه  يوم عشرين غشت.

سجناء التاريخ

 كان يمكن أن يمر هذا اليوم كسائر الأيام دون أن يشعر به أحد، أو يحس فهو يوم كسائر الأيام، ولذلك فإن المرء يتساءل لماذا  20 غشت، وليس

يوم 21 او 10 من غشت مثلا أو من شهر آخر غير هذا الشهر، ولماذا سنة 1953 وليس غيرها، وهكذا نجد أنفسنا ونجد التاريخ معنا سجناء هذا اليوم وهذا التاريخ بالذات، إنه يوم تعد ساعاته بالأعوام، ودقائقه وتوانيه بالشهور والأيام، إنه يوم كان يحضر له منذ ما يزيد على عقدين من الزمان.

يوم البيعة

      إن هذا اليوم في الواقع يوم سجل في التاريخ منذ بيعة محمد الخامس طيب الله ثراه سنة 1927 وهي السنة نفسها التي بدأت فيها نواة الحركة الوطنية الوليدة تزرع بذورها وتغرس غرسها، إنها السنة التي كتب فيها الزعيم علال الفاسي رسالة خالدة إلى الأستاذ محمد داوود بتطوان يخبره فيها أن الحركة بدأت، وأنها تتوفر على ممثلين لها في كل المدن المغربية، ويرجوه أن يبعث برسالة تصله مع البريد للسيد محمد بالحسن الوزاني بباريز، وهي ولا شك تتضمن هذا الخبر السار.

نسج خيوط الثورة 

     تلك هي البداية وهذا هو المنطلق، ومن هذه اللحظة بدأت خيوط هذه الثورة المباركة تنسج نسجها ، وبدأت البذور تعطي ثمارها، والغرس يرسل أغصانه وفروعه، وبدأ الكل يعمل في طريقه ويهيئ الظروف والأسباب، وكل ميسر لما خلق له، وما كانت الحركة الوليدة ولا الملك المبايع في واقع الغيب إلا مخلوقين ميسرين لهذه الثورة المباركة، وهذا العمل التحرري العظيم.

معالم كبرى

      كيف كان ذلك ؟ إنه سؤال عريض وكبير، وقد تصدى للإجابة عنه كثير من المؤرخين والكتاب والباحثين، وليس في مقدورنا أن نستوعب كل ذلك في هذه العجالة، وفي مقالة أو مقالتين تكتبان للذكرى والعبرة، ولكن مع ذلك فإن الإنسان لا يمكنه إغفال الإشارة إلى معالم كبرى في مسيرة هذه الثورة المباركة، لأن هذه المعالم كانت منارات الطريق للعاملين ومصابيح للحيارى والباحثين، للاهتداء بها والانضمام إلى الجموع التي تتهيأ ليوم الفصل ويوم الانفجار والثورة ويمكن اعتبار هذه المعالم كذلك بمثابة مواقع كانت ستضر بالثورة لو لم يكن حصل فيها ما حصل.

إشارات كبرى     

     ويمكن اعتبار أولى هذه المعالم الكبرى التي جمعت بين الملك والحركة الوطنية بشكل هز أركان الخصم وأرسل إليه إشارات كبرى نحو المستقبل ما حصل أثناء زيارة الملك لمدينة فاس وتأسيس الاحتفال بعيد العرش سنة 1934 ، إنه لأمر مهم وعظيم جدا أن تلتقي إرادة ملك مع إرادة شعبه في مسار واحد نحو التحرير والبناء.

ملك مومن مخلص

إن الاستعمار استوعب الرسالة، لاسيما وهذه السنة هي السنة نفسها التي أمكن فيها للقيادة العسكرية الفرنسية أن تعلن الانتصار على آخر موقع للمقاومة الشعبية المسلحة، وهاهي ذي أمام مقاومة ليست مقاومة القبائل وحدها، ولا مقاومة الجبال والسهول أو القرى أو المدن ، بل إنها مقاومة شعب بكل مقوماته بقيادة ملك مؤمن وطني شاب وذكي وطموح لتحرير بلاده وشعبه، وحركة وطنية مخلصة عاهدته على الوفاء والالتفاف حول عرشه.

 

الدس الاستعماري

 ولم يكن الاستعمار ليتجاوز عما حصل، ولا بمغفل الذي لم يدرك فحوى الرسالة، ومن هنا انطلقت مكائده ودسائسه في محاولة يائسة لإيقاف الزحف، وصد السيل الجارف الذي يسعى لاجتثاث الاستعمار من جذوره، فكانت الحرب عنيفة وقوية واتخذ الملك وجنده للمعركة ما يلزم من الصبر والتحمل مع العمل على دك  ما يركز عليه الاستعمار من الجهل والأمية، فكانت منارات المعرفة تبرز هنا وهناك في شكل مدارس حرة من مستويات مختلفة لتصنع للثورة جندها، ولتحمي روافد الإيمان والعقيدة لدى الأمة لتكون ذخرا ليوم الفصل  الآتي بعد عقدين من الزمان وكانت الصحافة الوطنية الوليدة كذلك تقوم بواجبها في بث الوعي وفضح الخصم وأساليبه وأهدافه.

 

تساؤل

      وهنا نقف لنتساءل عن أهم نقطة ارتكاز في هذه المرحلة قبل أن نصل إلى يوم الفصل، لا شك أن الجواب سيكون هو يوم 11 يناير 1944 ، إنه يوم لم ينفع في دفعه نفي الزعماء والقادة وسجنهم بين الكابون في إفريقيا (علال الفاسي) وتوزيعهم على المنافي والسجون داخل المغرب قرابة عقد من الزمان .

بيان الثورة

      لقد كانت سنة 1944 معلمة كبرى من مسيرة الثورة وكان البيان الصادر في هذه السنة بيان الثورة التي ستتفجر بعد تسع سنوات، وكانت الأعمال التي تلت هذه المرحلة كلها مواصلة بطرق وأساليب جديدة لعمل ما قبلها مع ملاحظة أنه لم يبق هناك مجال للتفاهم حول أي إصلاح ما لم يكن مسبوقا بإعلان استقلال البلاد وتحررها النهائي من الحكم الاستعماري.

استراحة وتحضير

       وإذا كان الاستعمار بأساليبه ومكره قد حاول أن يلتف عن إعلان المرحلة بإطلاق سراح المعتقلين وعودة المنفيين خارج الوطن وداخله فإن ذلك كله كان مرحلة من أجل التقاط الأنفاس والتحضير من جديد  للمعارك المقبلة وقد عرفت الحركة كيف تستفيد من هذه المرحلة فأسست الصحف ونظمت الخلايا والفروع وخلقت منظمات جماهيرية عمالية وتجارية وصناعية كما كانت المرحلة خصبة لديها من حيث الإنتاج الفكري والعلمي فكتب الزعيم علال الفاسي الحركات الاستقلالية والنقد الذاتي كما برزت أقلام شابة وواعدة في مجالات الأدب والفكر والعلوم التطبيقية.

الانفتاح على العالم

      وكان المرحوم عبد الكريم غلاب واحدا من هؤلاء الشباب الذين عادوا من الشرق العربي واشتغل في صحافة الحزب وتولى رئاسة تحرير مجلة “المغرب” كما كان من كتاب جريدة العلم. 

       وانفتحت الحركة على العالم الخارجي أكثر من ذي قرن، ويمكن أن نلاحظ في هذه المرحلة بعض الأحداث التي برزت على الطريق إلى الثورة أكثر من غيرها، فيمكن مثلا ملاحظة تحرير محمد بن عبد الكريم الخطاب ولجوئه إلى القاهرة، ووصول الزعيم علال الفاسي إلى القاهرة كذلك في نفس السنة مع ما لذلك من أثر كبير في التحرك على المستويين العالم العربي والإسلامي وربط العلاقات مع حركة التحرر في كل البلدان وبالأخص بلدان المغرب العربي الذي لا يمكننا إغفال الإشارة إلى تأسيس مكتب لهذه الحركات بالقاهرة ويأتي في هذا السياق رحلة جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه إلى طنجة هذه الرحلة التي كانت في الواقع نقلة نوعية للأعمال التحضيرية على طريق الثورة.

إعلان الوحدة والانتماء

      بل كانت هذه المرحلة في الواقع ثورة في حد ذاتها لأنها كانت اللبنة الأولى من طرف محمد الخامس لوضع بيان 11 يناير موضع التنفيذ فهو يعلن برحلته تلك وحدة المغرب شماله وجنوبه رغم تعدد أنواع الاستعمار المسلط عليه ومن جهة ثانية يعلن الانتماء المغربي للعالم العربي والإسلامي.

النظام الديمقراطي

      وبهذا يكون رحمه الله قد قطع الطريق على محاولة الاستعمار الدائمة لفصل المغرب عن إخوانه العرب والمسلمين حتى قبل إعلان الحماية.

       ومن جهة ثالثة فهو يؤكد من خلال تصريحاته أن نظام الحكم في مغرب ما بعد الاستعمار هو النظام الديمقراطي المنسجم مع تعاليم ديننا الحنيف، إذن فقد فجرت الزيارة  الوضع المتأزم أصلا نظرا لما قام به الاستعمار قبل الرحلة حيث دبر مجزرة للحيلولة دون هذه الرحلة، وها هو يجني ثمر ما غرست يداه، إذا كان من المتفق عليه أن يتضمن الخطاب الملكي فقرة في شأن العلاقات المغربية الفرنسية.

جولة مظفرة

      لم يكن الاستعمار يدرك إبعاد ما قام به في الدار البيضاء حتى كان خطاب طنجة الصفعة الكبرى للاستعمار وسياسته.       

       غير أن الملك أسقط هذه الفقرة من الخطاب إذ كان في الأصل ينوي إيرادها وأيا ما كان فقد أعطوه ما يبرر موقفه ويجعله في حل من كل توافق أو اتفاق ويقول شارل اندري جوليان في كتابه إفريقيا الشمالية تسير ص 396 وما بعدها الترجمة العربية في هذا الصدد ما يلي:

      وكانت الجولة عبر المنطقة الاسبانية جولة مظفرة. وبرهن الخليفة عن ولائه التام. وفي 10 أبريل القي السلطان بقصر المندوب خطابا ستكون له عواقب جسيمة. فقد أكد فيه لا الوحدة المغربية فحسب بل الوحدة العربية وقال: «لقد بذلنا الجهد في إنارة السبيل لبلوغ السعادة في الماضي والمستقبل من غير أن نحيد أبدا عن مبادئ ديننا الحنيف الذي ألف بين قلوب جميع المسلمين وجعلها تدق في وقت واحد وبعث الشعوب العربية الإسلامية على التعاون والمساعفة حتى وضعت الأسس لهذه الجامعة الحكيمة، هذه الجامعة التي عززت الروابط بين جميع العرب  حيثما كانوا والتي مكنت في الآخر ملوكهم وقادتهم سواء كانوا في المشرق أو في المغرب من توحيد طريقهم والسير نحو الرقي الأدبي».

الالتزام بالإسلام

 

      «ولم يتضمن نص الخطاب أي إشارة إلى الدولة الحامية. وبعد الحث على الخضوع إلى تعاليم الإسلام اختتم بهذا الدعاء الوجيز:« ان من يتكل على الله يهتدي إلى السبيل المستقيم». ولعل الآية المقصودة قوله تعالى ( ومن يعتصم  بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم). وقد طلب «لابون» ان تضاف إليه جملة شكر لفرنسا كان تحريرها شاقا وصادق عليها الملك وهي:«انظروا إلى العالم المتمدن واستلهموا من علومه، واتبعوا الطريق الذي سطره رجال كونوا المدينة العصرية، مستعينين في ذلك بعلماء وفنيي الدول الصديقة وبالخصوص الفرنسيين المحبين لهذه الحرية التي تسير بالبلاد نحو الازدهار والتقدم».

الحماسة الإيمانية

«ولم يوف السلطان بتعهداته وأهمل ذكر الجملة الأخيرة. وأوضح للمقيم العام أن الهتافات المتواصلة التي حيت ابتهاله إلى الله، الذي ظهر وكأنه خاتمة الخطاب، حالت دون رجوعه إلى تصريح دونه أهمية. وهو أمر ممكن. كما هو ممكن الحقد الذي أثارته حوادث الدار البيضاء وجعله لا يستطيع أن يفوه بشكر لفرنسا لكن سيدي محمد هو على درجة من رباطة الجأش وتمالك النفس انه من الصعب أن لا نفترض عملا مدبرا. فمثلما كان موقف الملك أثناء زيارته لمراكش متأثرا بما بذل من نشاط في مجال الوحدة العربية بين اتفاق الإسكندرية وميثاق القاهرة كان سلوكه بطنجة ربما ناشئا عما تقوم به في القاهرة جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا ويقوم به مؤتمر المغرب العربي من نشاط، وقد بدت المنظمتان تجسمان مطامحه العميقة في إقحام المغرب الأقصى في الحركة الوحدوية العربية».

التضامن ليس طرفيا

ويظهر من تعليق المؤرخ الفرنسي رغم موضوعيته في كثير من الأحيان أنه لا يدرك عمق إيمان محمد الخامس وشعبه بالتضامن العربي والإسلامي وان الأمر ليس طرفيا بقدر ما هو قناعة راسخة. وبالنسبة لعدم ذكر فرنسا والإشارة إلى ما تم الاتفاق عليه فإن الزعيم علال الفاسي في الحركات الاستقلالية يقول ان المقيم العام اقترح على جلالته أن يضيف لخطابه الرسمي كلمة تعرب عما للتعاون الفرنسي المغربي من قيمة في نظر جلالته وقد وعده الملك بالتفكير في الموضوع، وفعلا أضاف جملة في آخر خطابه يحث فيها رعيته على الاستفادة من تجارب الغربيين وخصوصا الفرنسيين ولكن جلالته حذفها في آخر ساعة نظرا لتأثره العميق من حوادث البيضاء ومآسيها. (الحركات الاستقلالية ص 351).

توطيد الحكم الاستعماري

وقد ذهبت هذه الزيارة برجل وسياسة وأتت بآخر وسياسة دون التحول أو الانحراف عن الهدف والغاية من السياسة الاستعمارية وهي توطيد أركان الاستعمار والقضاء على الروح الوطنية الوثابة لدى الشعب المغربي حيث ذهب مقيم وجاء آخر وانطلق من حيث النهاية فإذا كان خطاب طنجة والرحلة بذاتها أكدت وحدة المغرب وانتماءه للعالم العربي والإسلامي فإن أول ما سيؤكده المقيم الجديد في خطابه الأول هو: أن المغرب الأقصى الذي حققت له فرنسا وحدته يجب أن يكون بلدا عربيا وعليه أن يحيد عن المجموعات الشرقية (المرجع السابق لجوليان).

ارتباط ابدي؟

كما أكد أن ارتباط المغرب بفرنسا أمر أبدي وهكذا يوضح أن المغاربة عليهم أن يولوا وجوههم قبلة الغرب وفرنسا بالذات، ويقطعوا كل أمل في أن يكون لهم أي ارتباط بالمجموعات الشرقية وهي ما يعني بتر كل علاقة للمغاربة بإخوانهم المسلمين وبالمجموعات التي يكونونها، ولا شك  أن هذه سياسة ثابتة لدى الاستعمار قديمه وحديثه وينفذها كان حاضرا أم غائبا… وأيا ما كان فإن المسيرة تتواصل والحركة تتطور إلى حيث تنفجر الأمور ويظهر في الأفق من جديد نذور الشؤم على أنفسهم وعلى أسيادهم وأعني بذلك الذين وضعوا أنفسهم في خدمة الاستعمار وأهدافه ويكيدون ويتآمرون ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).

نحو التدويل

 ويتحرك الملك وتتحرك معه الحركة الوطني المغربية كل في ميدانه وعلى المستوى المحلى والمستوى الدولي وتطرق الحركة الوطنية أبواب الأمم المتحدة في عقر دار فرنسا في باريس وتفرز هذه الحركة معطيات وأساليب جديدة للعمل وتنفجر الأمور في مجلس شورى الحكومة الاستعماري ويطرد ممثل الاستعمار بوقاحة ما عليها من مزيد ممثلي الشعب والحركة الوطنية من هذا المجلس الذي لا فائدة ترجى من ورائه على كل حال.

اللجوء إلى القصر

 ولكن المهم أن هؤلاء لجأوا إلى القائد إلى القصر إلى الملك وإلى ولي عهده، وهكذا يتضح أنه لا ملجأ من العمل على فك هذا الارتباط رغم فشل محاولات سابقة، وتنفجر الأوضاع في الدار البيضاء وغيرها، ويزج بالقادة في مستويات متعددة في السجون ليتوهم الاستعمار أنه قد نجح في ضرب جسد الأفعى ولكن الرأس يجب أن يكون الهدف المقبل.

إن الآجال تتسارع فنحن في نهاية 1952، وبدأت سنة الحسم وكل يهيئ ليوم إعلان الثورة ونداء التحرير لقد كانت واجهة المواجهة واضحة وكان الانفجار الآتي معلوما ومقدرا فيكون يوم 20 غشت 1953 هو يوم إعلان الثورة ونداء التحرير من طرف علال الفاسي رحمه الله.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.