الفكر الاقتصادي عند علال الفاسي  و أسس التعادلية

2017.11.28 - 11:08 - أخر تحديث : الثلاثاء 28 نوفمبر 2017 - 11:09 صباحًا
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
الفكر الاقتصادي عند علال الفاسي  و أسس التعادلية

 

الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 2008 وضعت النظام الاقتصادي الرأسمالي على المحك. قسوة الهزة و شمولية تداعياتها, فتحت الباب على مصراعيه لتساؤلات عديدة. هل نحن امام نهاية النظام الرأسمالي؟ هل سينبعث هذا النظام مرة اخرى من رماده كطائر فنيق؟ هل كينز هو الحل؟ المؤكد هو ان السياسات الاقتصادية التي تغض الطرف عن الدور الاجتماعي للاقتصاد لا يمكن أن تعمر طويلا و لا يمكن أن تخلق تنمية شاملة و غير اقصائية.
الفكر الاستقلالي الذي ارسى دعائمه الأولى الزعيم علال الفاسي،في كتبه المختلفة, يعتبر متقدما في الاجابة عن المعضلات الاقتصادية و الاجتماعية المعاصرة. التعادلية الاقتصادية و الاجتماعية هي المبدأ الذي تنبني عليه السياسات الاقتصادية كما يتبناها الفكر الاستقلالي. هذه التعادلية التي تؤمن أن الاقتصاد يجب ان يكون في خدمة المجتمع و ليس العكس.
الفكر الاقتصادي الاستقلالي لم يتبن المذاهب الاقتصادية الجاهزة, بل انكب على دراسة المجتمع و سبل تحقيق الحياة العادلة الكريمة  للأفراد, و هو بهذا يتقاطع مع المذاهب الاقتصادية المختلفة في العديد من القضايا و الافكار و يختلف معها في افكار اخرى عديدة. لتكون  الاستقلالية فكرا حرا يستمد روحه من روح المجتمع.
لهذا نجد أن فكر علال الفاسي في المجال الاقتصادي، استأثر باهتمام الكثير من الاقتصاديين المعاصرين ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يعتبر  الاقتصادي المعاصر نور الدين العوفي  ” مساهمة علال الفاسي في المجال الاقتصادي مساهمة هامة” و هي “وصل للباراديغم  الخلدوني” و “رؤية متميزة تزاوج بين الطرح العلمي و التفسير الوضعي للعملية الاقتصادية من جهة، وبين استعارة الدلالة الأخلاقية، ودور القيم و المسلكيات من جهة أخرى”. العوفي يعتبر أيضا ان كتابات علال الفاسي هي ارقى ما قرأ في ما يمكن أن يسمى” بالتفكير الاقتصادي ذو الحمولة الدينية”.
لا يمكن ان نتطرق للفكر الاقتصادي العلالي دون طرق للعلوم الاجتماعية في شموليتها,  لان علال الفاسي يدحض ما تقوله الرأسمالية في كون الاقتصاد و المال هما المفسران الوحيدان لظواهر التاريخ , وينطلق من كون حركية التاريخ هي التي تعطي الغلبة في كل مرحلة من مراحل التاريخ الانساني  لمذهب معين. و بهذا يعتبر مؤسس الفكر الاستقلالي ان الاشتراكية, التي تعتبر الرأسمالية و البورجوازية مرحلتا انتقال ليتبنى العالم الاشتراكية بصفة نهائية, ما هي (الاشتراكية) بدورها الا مرحلة من مراحل التطور الانساني, و  التفاعل الدائم الممكن هو ذلك التفاعل بين الخير و الشر و الصراع الدائم بين أنصارهما. هنا علال الفاسي يبرز أن التطور الانساني مطالب بأن يفرز في كل مرحلة من مراحل تاريخه نظما اقتصادية قادرة على جعل الغلبة للخير و تحقيق العدالة.
علال الفاسي ، لا يحيد عن الاشادة بالدور الذي لعبته الاشتراكية في التقريب و التنوير بقيمة الكفاح من أجل الغاء الفوارق الطبقية و لكنه بحسه التاريخي يعي ان ذلك نتاج تطور الذهنية الانسانية و أن الاشتراكية تتقاطع بهذا مع أيديولوجيات متعددة في تاريخ الكفاح الانساني. بالنسبة لعلال الفاسي, اذا كانت مشاكل العصر هي نتيجة لتنامي الرأسمالية المتوحشة فان ما تقدمه الاشتراكية لا يعدو عن كونه أصناف حلول غير مؤهلة لإصلاح ما أفسده التاريخ و أن قضية العدالة الاجتماعية لا بد لها من حل شامل و جذري.
و في هذا الصدد، يعتبر علال الفاسي ان توسيع دائرة الانفصال بين عوامل الانتاج هي التي أدت الى تكوين طبقتي الاجراء و الرأسماليين و ليس تقسيم العمل, و بالتالي هذا التقسيم بين عوامل الانتاج أدى الى تفاوت طبقي كبير و الى احتكار الثروة في يد أقلية و فاقم المشاكل الاجتماعية العصر. تكدس الثروة في يد الاقليات هو السبب الرئيسي للازمات الاقتصادية و للمشاكل الاجتماعية. و يرى علال الفاسي أن أهم هذه المشاكل هو عدم انتفاع العموم من الثروة المكدسة و المدخرة وأن تحريم الاسلام للربا هو لمنع سقوط الدول في أزمات التمويل (الادخار) و هو تحريم لتواتر تكدس الاموال عند الاقليات.
الى جانب تحريم الربا ، يرى علال الفاسي أن الزكاة هي أعظم بيان من الاسلام على أن المال القومي هو ملك للجميع و أن ادخاره و حجبه عن الاستعمال العام هو حجب للفائدة التي من المفترض أن تعود على الكل. الزكاة هي اذن ضريبة لتقويض انانية الافراد و هي الحد الادنى لمساهمتهم في التنمية القومية. الاستقلالية تنبري في هذا الى الاسلام و تعتبر الزكاة بالإضافة الى الجبايات التي من المفروض أن تقتطعها الدولة من الاغنياء للقيام بشؤون الفقراء هي تطبيق للعدالة الاجتماعية. هذه العدالة التي تعتبر جوهر الفكرة الاستقلالية في شموليتها.
إن الفكر الاستقلالي يعتبر الديمقراطية في شموليتها هي الكفيلة بتحقيق النموذج الاقتصادي القادر على خلق تكافؤ الفرص في المجتمع و تقريب الناس من المساواة في المنافع التي يذرها الاقتصاد و في التضحيات اللازمة لاستخراج هذه المنافع.

ان الفكر الاقتصادي الاستقلالي  يؤمن أن الانتاج ليس غاية بل وسيلة لضمان الحياة الكريمة للأفراد و بالتالي فان ظروف تحقيق هذا الانتاج و سبل توزيعه تحظى بأهمية بالغة في الفكر التعادلي. الآجر العادل كأحد  تجليات  هذا التوزيع العادل للإنتاج يعتبر جزء لا يتجزأ من الفلسفة الاستقلالية. و لأنه  لا يمكن الحديث عن أجر عادل في ظل نظام انتاج يعتمد على ربحية ريبوية فان الفكر الاستقلالي يؤكد على ضرورة مراقبة الاسعار و تحديد الهوامش التجارية. هذه المراقبة من شأنها أن تحد مبدأ الربح في سقفه المشروع و ان ترفع من القدرة الشرائية للعمال المعنيين الأولين باستهلاك المواد المنتجة في الدورة الاقتصادية.
في ما يخص الاستثمار القومي تشدد الاستقلالية على  ضرورة توجيه موارد الانتاج و أدواته بما يفيد الاقتصاد الوطني. بمعنى ان الافضلية يجب أن تكون للقطاعات التي من شانها تنمية الاقتصاد و خلق التقدم المستدام حتى لو كانت الربحية أكثر في قطاعات أخرى.  و هنا علال الفاسي سبق العديد من كبار علماء الاجتماع و الاقتصاد الذين لا يجدون  ضيرا في العمل بالتخطيط القومي لبناء الاقتصاد مع المحافظة على الملكية الفردية. بمعنى أننا لسنا مجبرين على تبني الاشتراكية المفرطة لنقوم بالتخطيط الاقتصادي. هذا يدل على أن السياسات الاقتصادية كما يتصورها الفكر الاستقلالي لا تنظر الى الربح كرقم بل كنتيجة اقتصادية للاختيارات المواطنة للاستثمار و الإنتاج..
هذه الاختيارات المواطنة هي التي ينبني عليها النظام الضريبي في الفكر الاستقلالي. فترسيخا لمبدأ التعادلية تشدد الاستقلالية على ضرورة سن ضرائب مختلفة حسب القطاعات. و في هذا الصدد يجب ان تكون الضرائب المفروضة على الريع هي الاكثر ارتفاعا ثم تليها الضرائب التجارية و الصناعية ثم الضرائب المفروضة على الكسب. و يمكن ان نلاحظ هنا أن الفكر الاستقلالي يكرس مبدا العدالة حيث كلما ساهم الفرد في عملية الانتاج كلما فرضت عليه ضرائب اقل..
و ايمانا منها بضرر الاحتكار و الاوليجارشيات المالية على الاقتصاد و على توازن  حلقات الانتاج , دعت الاستقلالية منذ نشأتها الى  تأميم و مراقبة المصادر الكبرى للثروة و الى  سن السياسات الكفيلة بحماية حقوق العمال دون غلبة طبقة على أخرى. الاستقلالية لا تنصب نفسها عدوة للربح الذي يعتبر محركا أساسيا للاقتصاد بل تحارب الربح الغير مشروع الذي يحول دون تحقيق العدالة الاجتماعية.
و بنفس المنطق تعتبر الاستقلالية  التضخم عدوا للطبقة العاملة,  و هي بذلك  تنأى بنفسها عن النظريات الاقتصادية التي ضربت مصالح العمال عرض الحائط ووضعت تصوراتها للمشاكل الاقتصادية بذهنية بورجوازية.

سلمى صدقي

أستاذة الاقتصاد – جامعة ابن طفيل

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.